مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

في أحد الأيام وفي سوق المدينة الكبير كان الصبي (سالم) برفقة والده عندما سمع صوتاً خافتاً يصدر من خلفه مباشرة يقول (أخطأت في الحساب).

استدار (سالم) ليفاجأ بشيخ قد تجاوز عمره مئة عام، يرتدي ملابس بالية، مادّاً يده يستعطي. وبعد أن أعطاه الأب قطعة نقود صغيرة، استدار الشيخ وهو يردد هذه العبارة باستمرار: (أخطأت في الحساب).

وفي البيت ظلت عبارة الشيخ تتردد في أذن (سالم) وهنا سأل والده عن سرّ هذا الرجل المسن، وما هي قصته، وما معنى هذه العبارة التي يكررها دائماً مع نفسه.

امتثل الأب لرغبة ابنه وبدأ يسرد له القصة، قال:

- منذ فترة طويلة، وقبل أن أولد أنا بسنين طويلة، وصل إلى ميناء المدينة مسافر شاب، موفور الصحة، قوي البنية، قادم من بلد بعيد، طلباً للعمل وكسب الرزق.

كان الشاب يعمل بجد دون كلل أو ملل ليل نهار فقد كان في العشرين من العمر حتى كسب ثقة ومحبة أصحاب العمل وكل من عرفه.

وبعد عشر سنوات ونتيجة لمثابرته، أصبح لديه متجر خاص به، مما دفعه للعمل أكثر وأكثر، ونتيجة لاجتهاده ازدادت ثروته أضعافاً.

وتمر السنون، ويكبر الشاب، ويصير في الخمسين، وقد بات من كبار التجار في البلاد، وتوسعت أعماله ليصبح من أغنى أغنياء المدينة.

في أحد الأيام وبينما هو جالس في قصره، أخذ يتساءل مع نفسه:

"لقد أفنيت حياتي في جمع المال، ولم أفكر حتى في الزواج، وتكوين أسرة، وتربية وريث يرث كل هذه الأملاك من بعدي."

قرر أن يتوقف عن مزاولة أعماله التجارية مستقبلاً، وبما أنه لن يعيش أكثر من ثمانين سنة، في أحسن الأحوال، فقد فكر بأن يصرف أمواله على نفسه، في الثلاثين سنة الباقية من عمره، وكان له ما أراد.

وبعد عشر سنوات نفدت كل أمواله، وبدأ يبيع أملاكه من متاجر وبضائع، وبدأ يصرف أثمانها على نفسه حتى بلغ السبعين ولم يبق لديه سوى قصره المنيف.

لذا قرر أخيراً أن يبيع قصره ليعيش بثمنه حتى يبلغ الثمانين، وفعلاً وبعد انقضاء السنوات العشر نفدت كل أمواله، إلا أنه بقي على قيد الحياة، وقد خارت قواه، ولم يعد يقوى على العمل.

وهكذا عاش السنوات العشر التالية على المساعدات من الأصدقاء والمعارف إلا أن هؤلاء أيضاً قد توفاهم الله ولم يبق منهم أحد.

وهكذا وبعد بلوغه التسعين لم يبق أمامه سوى أن يشحذ قوت يومه، ومنذ ذلك الوقت وبعد أن تجاوز المائة بخمس سنوات، لا يزال يجوب الأسواق وهو يردد هذه العبارة لائماً نفسه:

(أخطأت في الحساب، أخطأت في الحساب).

وكان هذا خطأه الكبير، لأنه ما من إنسان يعرف متى تحين ساعته إلا الله.

*     *     *

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006