مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

مثلما يضحك أيُّ واحد منا ويلعب ويمرح ببراءة، كان صلاح بين أبيه وأمه وأخيه غسان وأخته حمدة.. تعوّد النهوض مبكراً ليرقب غسان وهو يتهيأ للذهاب إلى المدرسة.. وكثيراً ما كان يسأل أمه:

- متى يأخذني غسان إلى المدرسة؟

فتجيبه: في العام القادم حينما تكمل السادسة من عمرك..

وكان يتبع أخاه إلى نهاية الزقاق، ومن هناك يجول بنظره عبر قريته المترامية الأطراف الواقعة على سفح أحد جبال الناصرة شمالي فلسطين.

ثم يسير ببطء باتجاه الحقل فيجد أباه منهمكاً بسقاية المزروعات، ولما أحسّ به أبوه قال له:

- سأذهب غداً إلى الناصرة..

ولم ينه كلامه حتى هجم عليه صلاح وعانقه قائلاً:

لا يمكن أن تتركني هذه المرة. يجب أن أسافر معك..

 أمسكه أبوه وهمس في أذنه: كما تريد..

فقفز وأخذ يردد: يعيش بابا.. يعيش بابا..

الطريق إلى الناصرة يمر عبر مروج خضراء وغابات كثيفة من أشجار الزيتون والتين والبرتقال، كاد صلاح يطير فرحاً وهو يشهد هذه المناظر الخلابة راكباً أمام أبيه على الحصان.. ولما بانت الناصرة خفق قلبه وتمتم: ما أجمل هذه المدينة..

وشيئاً فشيئاً اقتربا من المدينة، حتى دخلاها وتجولا بسوقها الكبير. فتوقف الحصان عند دكان "عم عمران" الذي هتف: أهلاً بالأحباب.. ونزل الوالد وولده وبينما كان الوالد يعانق أخاه عمران وقع دوي كبير وإطلاقات متعاقبة.. وتراكض الناس من هنا وهناك صارخين:

- هجم الصهاينة على المدينة..

فأمسك عم عمران بصلاح وقذفه داخل الدكان بينما تصدى أبوه ببندقيته للعصابات، فسقط بين عشرات القتلى وسط السوق.

لم ينس صلاح ما وقع لأبيه.. لقد سقط غدراً أحبُ إنسان لديه دون أن يحرك ساكناً، فقد كان طفلاً صغيراً.. وتكررت الهجمات الصهيونية على المدينة والقرى المحيطة بها وسقطت عدة مدن فلسطينية بيد المجرمين الصهاينة، وتواردت أخبار القتل والنهب والدمار في كل مكان.

عادت عائلة صلاح مكرهة مع قوافل المهاجرين الفلسطينيين متجهين إلى الضفة الغربية وأقطار عربية مجاورة، فاختاروا مدينة جنين كي يبقوا على مقربة من المدينة السليبة.. وتعاقبت السنوات على صلاح وعائلته وآلاف المشردين من وطنهم وهم يعانون الفقر والحرمان، إذ سكنوا خيمة بالية لم تحمهم من لهب الشمس وزمهرير الشتاء، وظلوا يراودهم الحلم الكبير بالعودة إلى الوطن، وكل عام يأتي ليطوي عاماً آخر يتجدد الشوق فيه إلى السهول الخضراء فيتذكر صلاح مأساة أبيه والعشرات ممن كانوا داخل السوق، حتى أطلت سحب الغدر وبدأت القنابل تهوي على رؤوسهم إذ دخلت الدبابات الصهيونية المدينة فسقطت أم صلاح شهيدة في شوارع جنين واستشهد غسان وأخوه الأكبر، أما شقيقته الصغرى حمدة فقد تلقت طعنة استُشهد من جندي صهيوني عندما كانت تقذف المصفحات الصهيونية بالحجارة.. أما صلاح فقد عاد مع من عادوا عبر نهر الأردن وراح يتطلع إلى الماضي يقارن مذبحة السوق التي قتل فيها أبوه بمذابح جنين ونابلس وسيناء.. وفجأة انبثق الشعاع المضيء.. فتطلع إليه بشوق كبير وتمتم في نفسه: هنا سأجد الجواب..

الفدائي صلاح مكلف بمهمة خطيرة.. مواقع العدو المطلة على قرية كفر شوبا جنوبي لبنان صيدٌ سمين، ومع حلول الظلام تحرك مع مجموعة مقاتلين باتجاه مستعمرة كريات شمونة، وعبر الطريق الوعر الذي يربط شمالي فلسطين بجنوب لبنان انطلق المقاتلون لتنفيذ مهمتهم.. وفجأة اصطدمت المجموعة بكمين العدو فدارت معركة طاحنة قتل فيها عدد من أفراد العدو بينما سقط صلاح جريحاً.. حمله الفدائيون بعدها إلى مقرهم.

في مستشفى المواساة بدمشق رقد صلاح فزاره رفاقه يهنئونه بنجاح عملية إخراج الرصاصة من ساقه.. وبين جموع المهنئين أبصر شيخاً كبيراً يتكئ على عصا.. قال له: السلامة.. السلامة.. هل تذكرني أم لا؟.

قال صلاح: أعتقد أني رأيتك في كفر شوبا..

 ضحك الشيخ وقال: أنسيت عم عمران.. أنا عم عمران..

ارتسمت في ذهن صلاح صورة مذبحة السوق في الناصرة.. وحانوت عم عمران، فلم يأبه لألم ساقه.. وقفز إلى الشيخ يعانقه ويقبله ويشمّ فيه رائحة أبيه.. فربت "عم عمران" على كتف صلاح قائلاً:

- لقد بدأت الدرب وكانت بداية مباركة..

أجابه صلاح:

- رغم الأشواك.. ما زالت هناك أوراد، وما زالت الناصرة تنبض بالحياة..

*     *     *

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006