|

 
مجابهة
الرسول (صلى الله عليه وسلم) للإغراء

(الحلقة
السادسة)
أبنائي
الأعزاء
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك إغراء لا
يكاد يرى ولكنه ينسرب في العروق فيشعل
فيها النار التي لا تنطفئ إلا بتحقيق
المطلوب .. لكن هذا الإغراء –على
خفائه- يملك من الضغط النفسي على
الشخصية البشرية ما لا يملكه –ربما-
أي أغراء آخر على الإطلاق .. إنه إغراء
الثأر الذي تمكن الرسول (صلى الله
عليه وسلم) من مجابهته ببطولة نادرة!
في معركة أحد (3هـ)
حين احتدم القتال بين المسلمين
والمشركين، راح حمزة عم النبي (صلى
الله عليه وسلم) يقطف رؤوس القرشيين
واحداً واحداً ويحدث في صفوفهم خللاً
واضطراباً، وهو ينقض عليهم يميناً
وشمالاً، لولا أن كمن له وحشي (غلام
جبير بن مطعم) الذي يجيد الإصابة
بحربته الحبشية، والذي كان قد وعد من
قبل سيده أن ينال حريته إذا تمكن من
قتل حمزة.
ويحدثنا وحشي كيف
قضى على العملاق فيقول: "هززت حربتي
حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه، فوقعت
أسفل من بطنه حتى خرجت من بين رجليه،
فأقبل نحوي، فغلب فوقع، وأمهلته حتى
إذا مات جئت وأخذت حربتي، ثم تنحيت
إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة
غيره."
وخرج الرسول (صلى
الله عليه وسلم) بعد انتهاء المعركة،
يبحث عن جسد عمه، فوجده ببطن الوادي
قد بقرت بطنه، فقال: لولا أن تحزن صفية
–شقيقة حمزة- وتكون سنة من بعدي،
لتركته حتى يكون في بطون السباع
وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على
قريش في موطن من المواطن لأمثلن
بثلاثين رجلاً منهم.
فلما رأى
المسلمون حزن الرسول (صلى الله عليه
وسلم) وغيظه قالوا: والله لئن أظفرنا
الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم
مثلة لم يمثلها أحد من العرب!!
إلا أن الآيات
القرآنية تنزّلت بالقيم الثابتة التي
تتجاوز مواقف الانفعال والآلام: (وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به،
ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر
وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم
ولا تك في ضيق مما يمكرون).
فعفا الرسول (صلى
الله عليه وسلم) ونهى عن المثلة، ثم
أمر بحمزة فسجّي ببردة، ثم صلى عليه،
ثم أمر بالقتلى يوضعون إلى جانب حمزة
واحدا واحدا، فصلى عليهم وعليه، حتى
أنه صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة هي
عدد القتلى من المسلمين.
وجاءت صفية بنت
عبد المطلب، وقد سمعت بأن أخاها قد
مثل به فقالت: ما أرضانا بما كان من
ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله.
في أعقاب فتح مكة
(8هـ) يعلّمنا رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) درساً آخر في مجابهة إغراء
الثأر .. ها هم المكيون الذين طاردوه
وعذبوه وأصحابه وتآمروا على قتله
وسعوا إلى تدمير دولته في المدينة ..
يتجمعون عند باب الكعبة خائفين
مرتجفين من أن ينزل فيهم رسول الله (صلى
الله عليه وسلم) غضبه ويكيل لهم الصاع
صاعين، ويثأر لنفسه وأصحابه ودينه ..
فيسألهم: "يا معشر قريش ما ترون إني
فاعل بكم؟" .. أجابوه بصوت واحد: (خيراً،
أخ كريم وابن أخ كريم)، فقال: "اذهبوا
فأنتم الطلقاء".
لحظة مؤثرة أخرى
من لحظات التفوّق على إغراء الثأر
الذي لا يقاوم .. وما أكثر مواقف
ولحظات التفوق في حياة الرسول (صلى
الله عليه وسلم)
استودعكم
الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي
في حلقة أخرى إن شاء الله ..
*
* *
|