|


في ذلك الفجر
الهادئ، وحين أتم المؤذن نداءه، انطلق
فجأة أذان جميل، صوت عذب رقيق، فيه
رعشة من يؤذن للمرة الأولى في حياته.
سمع الصاحون الأذان، ولم يسمعه
النائمون.. قال الحاج عبد الله لأحد
أبنائه الذين استيقظوا لأداء صلاة
الفجر معه:
- أذان جميل لم
أسمعه من قبل، هل أقيم جامع آخر لم أسمع
به في حينا؟
قال ابنه عبد
الرحمن:
- لا أظن أن
جامعاً أنشئ في حينا من غير أن نعلم به،
ولكن..
فأتمت أخته أزهار:
- إنه صوت أذان لم
أسمعه من قبل، ولم أستطع أن أتبينه،
فلا هو بالقريب ولا هو بالبعيد، وهو
ليس قوياً، ولا خافتاً، برغم أنه واضح
صاف.
قال الأب: سبحان
الله.
وشرع الجميع
يصلون خلف أبيهم الذي كان أقرأهم
للقرآن.
ومن فجر يوم الغد
وبعد أن أتم المؤذن نداءه انساب صوت
أذان رخيم هادئ، عذب، لا رعشة فيه ولا
اضطراب، وكان الآن أبعد من أذان فجر
أمس، فأصغى الجميع كأنهم يسمعون
الأذان للمرة الأولى، وطافت الحيرة
على وجوههم، ولكن أحداً منهم لم يعقب
بكلمة واحدة، فقد انصرفوا إلى صلاتهم
في الحال..
وحين أتموا
صلاتهم لم يدر بينهم سوى هذا الحوار
القصير، فقال الأب عبد الله:
- ليس كأذان الأمس.
- هو أبعد قليلاً،
ولكنه أندى صوتاً.
- لا أظن أن مؤذن
هذا الفجر هو مؤذن الأمس نفسه.
ثم انصرف الجميع
كل إلى شأنه، في ذلك الفجر المبارك..
وفي فجر اليوم
التالي، سمعوا أذاناً آخر أعقب أذان
المسجد البعيد عن منزلهم، كان أذان هذا
الفجر، رفيع الصوت حاداً قوياً
متعجلاً، كأنه يريد أن ينتهي سريعاً.
وتحير الجميع
كذلك، الأب وأبناؤه، ولكنهم لم يعقبوا
بشيء.. ثم تمر الأيام، وكل فجر يسمعون
أذاناً يتلو أذان المسجد البعيد عن
منزلهم وكذلك يختلف صوت المؤذن قليلاً
وسرعته، وتتباين قوة كل أذان، وتختلف
كذلك الجهة التي يأتي منها، فمرة
يسمعونه آتياً من شمال، ومرة يسمعونه
قادماً من جنوب، وتارة يصغون إليه
مقبلاً عن يمين، وتارة أخرى واصلاً
إليهم عن شمال.
ثم تمر الأيام
سراعاً، فجر يتلو فجراً، وأذان يعقب
أذاناً، فيعتاد كل من عرف بأمر هذا
الأذان عليه، ويحبه ويطرب قلبه له،
وتهفو روحه إليه، وفي مرات قليلات حين
يفشل مكبر الصوت في إيصال الأذان، أذان
المسجد، إليهم بسبب خلل فيه، يأتي ذلك
الأذان الندي الفتي، الرخيم العذب،
فيصحو عليه من يصحو لأداء صلاة الفجر..

وبرغم أن أصوات
أذان بعيدة كانت تأتي من مساجد نائية
عديدة، إلا أن هذا الأذان الحي الذي لا
ينقله إليهم مكبر صوت ولا سماعة، بل هو
يبلغ الآذان حياً طرياً ندياً، كان هو
الأذان الذي يصل إلى القلوب قبل أن
يلامس الآذان.. ثم اعتاد الناس الذين
يصحون عند الفجر ويصلون، على الأذان
الحي، وتعودوا أن يأتيهم كل فجر من
جهة، ومن مكان يختلف عن سابقه، وبرخامة
وأداء يختلفان كل بضعة أيام.. ثم تعود
الدورة فتتكرر ثم لم يعد أحد بعد ذلك
يسأل عن الأذان أو يتساءل: إذ اعتاده
الجميع وأحبوه ورضوا به ثم صاروا
ينتظرونه انتظاراً.

في ساحة صغيرة
حيث تلتقي بضعة أزقة أنيقة، التقى في
ذلك الفجر سبعة فتية أصدقاء، أقبلوا
على بعضهم مسرعين متعجلين، ومضوا صوب
المسجد يزفون، يحرصون على أن لا تفوتهم
صلاة الفجر جماعة.. ولما أتم الفتية
صلاتهم في المسجد، انقلبوا إلى بيوتهم
فرحين سعيدين، قال عمر بدهشة:
- ما الذي جعل "خالد"
لا يؤذن هذا الفجر؟
قال سعيد: أخشى أن
يكون مرض مفاجئ ألمّ به.
- ادعوا الله
بالشفاء له..
قال محمود: هذه هي
المرة الأولى التي يتخلف فيها أحدنا عن
الأذان في "نوبته".
فضحك الآخرون..
فقال أنس ممازحاً: بل قل في "ورديته"..
رد محمود بجد: لا
ينبغي أن نتخلف عما اخترناه واتفقنا
عليه.. على أية حال عند الصباح سنعرف كل
شيء بإذن الله.
قال سعيد مماحكاً
قليلاً: عند الصباح يتضح كل شيء.
وتمضي الأيام
والشهور ولم يستطع أحد من أبناء الحي
أن يعرف سر ذلك الأذان الرخيم الحبيب
الذي كان واحد من هؤلاء الفتية يؤديه
كل يوم وعلى نحو متناوب.. كانوا يريدون
وجه الله أولاً.. ويحققون أمنية حبيبة
إلى قلوبهم، أن يؤدوا أذان الفجر..
*
* *
|