مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

مجابهة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للإغراء

(الحلقة السابعة)

أبنائي الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إغراء البطولة نفسها يتطلب بطولة من نوع خاص .. قدرة مدهشة على تجاوز الادعاء والغرور، لا يتمكن من الإمساك برقابها إلا الأنبياء والشهداء والقدّيسون .. تعالوا لننظر كيف جابه الرسول المعلم هذا الإغراء الذي لا يقاوم وتمكن من كسره.

الطواغيت تسكرهم لحظة الانتصار وتصعّر خدودهم للناس .. بل إنها –أحياناً- تفقدهم التوازن ..

هتلر لحظة سماعه نبأ دخول قواته باريس راح يرقص رغم ما عرف عنه من وقار وجبروت ..

نابليون بونابرت عندما انتصر على خصومه الألمان في معركة ينّا عام 1807م ودخل برلين فاتحاً .. وهو يمتطي صهوة حصانه الأشهب، دفع بصدره إلى الأمام وصعّر خدّه ورفع جبهته إلى فوق .. كأنه يريد أن يقول ها أنا ذا البطل العظيم الذي سحق أعتى خصومه وألحق بالعسكرية الألمانية التي لا تقهر هزيمة ساحقة .. كان يرافقه يومذاك –ولحسن الحظ- رسام (بورتريت) فرنسي فصورة لحظة دخوله تلك .. ولا تزال الصورة معروضة في متحف اللوفر بباريس ..

كيف كان دخول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة فاتحاً بعد أن انتصر على أعتى خصومه وأشدهم مراسا: قريش التي لم تأل جهداً في اعتماد أي أسلوب للقضاء عليه وسحق دعوته ..

تحدثنا كتب التواريخ كيف أنه كان يمتطي لدى دخوله مكة ناقته القصواء ومن ورائه جيوش المسلمين .. وكيف أنه طأطأ رأسه الشريف وظل يطأطؤها حتى مسّت لحيته ظهر الناقة خجلاً من الله سبحانه الذي منحه هذا النصر، واعترافاً بفضله عليه .. وتواضعاً لجلاله سبحانه ..

لم يحاول –وحاشاه- أن يرفع جبهته عالياً لأنه ما خطر على باله لحظة، أن يقول لجماهير الناس من حوله: انظروا إليّ ها أنا ذا الفاتح العظيم ..

إنه الفارق الكبير بين طواغيت الأرض وبين الأنبياء والقدّيسين .. بين بونابرت وهتلر وبين الرسول المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام.

وبموازاة إغراء البطولة وادّعاء العظمة، هنالك إغراء لا يقل عنه ضغطاً على النفس البشرية وسوقها في الاتجاه الذي يريد .. إنه إغراء التفرّد والقداسة الذي أسر آلاف الزعماء والطواغيب والأدعياء .. ولكنه مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتراجع صاغراً مخلياً الطريق للنبي الإنسان الذي رفض حتى اللحظة الأخيرة أن يستعلي على جماهير أمته بأي معيار من المعايير، رغم أن كل الظروف والمعطيات كانت ترفعه إلى سماوات التفرّد والقداسة.

كان يقول: (إني أتزوج النساء، وآكل اللحم، وأنام وأقوم، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنّتي فليس مني) .. وناداه رجل: يا سيدنا وابن سيدنا، فقال: لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبدالله، عبدالله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي.

وكان أصحابه إذا رأوه قادماً عليهم لم يقوموا له، وهو أحب الناس إليهم، لما يعرفون من كراهيته لقيامهم. وكان يكره أن يمشي أصحابه وراءه، ويأخذ بيد من يفعل فيدفعه إلى السير بجانبه .. رآه رجل فارتعد، فقال: هوّن عليك فإني لست ملكاً، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد.

ما كان يغلق دونه الأبواب ولا يغدى عليه بأواني الطعام، وكان من أراد مقابلته يقابله ..

ثمة –أخيراً- حادثة كسوف الشمس يوم تشييع ابنه إبراهيم عليه السلام .. ظن بعض المشيعين أنها انكسفت حزناً على وفاة ابن رسول الله، وكان بمقدور رسول الله أن يصمت كي يوحي لأصحابه بأن الظواهر الكونية تقدّسه وتشاطره العزاء .. ولكنه ردّ بالحزم الذي يستهدف إزالة أية شبهة في هذا الاتجاه: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان ولا تنخسفان لموت أحد من الناس)! .. صلى الله عليه وسلم ..

استودعكم الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي في حلقة أخرى إن شاء الله ..

*     *     *

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006