مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

 

يعرف صاحبنا ما الذي حصل لكنهم قالوا له أن والده قد مات، فتقدم لوالدته المتكورة على أحزانها في أقصى ركن في الخيمة:

- ماما..

رفعت رأسها ثم بادرها:

- ما هو الموت؟

- الموت!!..

انبعث صوتها من أغوار نفسيتها الخريفية:

- تعال يا حبيبي..

وضمته بحنان لصدر هدّه التعب.

كان هذا قبل اثني عشر عاماً عندما كانت عائلة "همام" في طريقها للقدس من مخيمات لبنان للاجئين، وبعد أن استشهد الأب بنيران قوات الاحتلال أكملوا طريقهم للوطن، وجرح آخر لم يلتئم بعد أن أضيف لجراح الشعب المقاوم.. وكانت شجرة الياسمين لا تزال متعرشة في قلب بيتهم الطيني المتواضع القابع في منتصف المخيم..

كانوا يسكنون في البيت مع خالتهم وأولادها وذكرى زوجها الراحل معهم، وكان (همام) يولي شجرة الياسمين تلك عناية خاصة، وفي يوم من الأيام كان المخيم مضرجاً بدماء الأبرياء عندما تقدمت قوات الاحتلال لهدم المنزل الذي يؤوي عائلتين لم يبق لهما الزمن شيئاً ليأسفوا عليه.. تقدمت دبابتان وجرافة نحوهم ووقف جندي إسرائيلي أمامهم وهو يهدد إن لم يخرجوا فسيدم البيت على رؤوسهم.. خرج كل من في البيت

- ولكن مهلاً أين همام؟

- إنه هناك..

- لن تهدموا المنزل ولن تقتربوا من شجرة الياسمين.

هتفت الأم بانكسار وخوف:

- تعال يا همام..

- أمي هذه شجرة أبي وجدي لن أدعها تموت تحت الأنقاض..

وحاول حمل شجيرة الياسمين الموضوعة في حوض صغير (هيا يا فتى).. نادى الجندي الإسرائيلي فلم يأبه له همام وأضرمت نيران الحقد في قلب الجندي أن كيف يهملني ذلك الفتى ولا يجيبني واستعرت نفسيته المتعطشة للدماء أبداً ليطلق النار على همام فيهوي أرضاً وتسقط شجيرة الياسمين بجانبه متضرجة بدماء الفتى ذي الخمسة عشر حزناً..

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006