|

 
قيمة
التاريخ
(الحلقة
الثانية)
أبنائي
الأعزاء ..

ها
أنا ذا أواصل حديثي إليكم عن قيمة
التاريخ والذي بدأته في الحلقة
السابقة ..
إن جانبا كبيرا
من سور القرآن وآياته البينات ينصب
على إخطار البشرية بالنذير الإلهي من
خلال الحديث عن تواريخ ومصائر الأمم
الماضية، وإن اشد نداءات المفكرين
المعاصرين عمقا وتأثيرا لهي تلك التي
تستدعي الشاهد التاريخي لكي تحدثنا
عما يحيط بالمسيرة البشرية في حاضرها
ومستقبلها من أوضاع ، وما تتطلبه من
شروط ، وتنبثق هي الأخرى من خلال
التعامل مع التاريخ .
وأنتم تلحظون عبر
تلاوتكم لكتاب الله ، كيف تتهاوى
الجدران بين الماضي والحاضر
والمستقبل .. كيف يلتقي زمن الأرض وزمن
السماء .. قصة الخليقة ويوم الحساب ..
عند اللحظة الراهنة ، حيث تصير حركة
التاريخ حركة واحدة لا ينفصل فيها زمن
عن زمن ولا
مكان عن مكان ، وحيث تغدو السنن التي
تحرك التاريخ أشبه بالمفاتيح التي لا
بد منها لفهم عوامل نهوض الأمم
ودمارها على السواء .
ولكم – أبنائي
الأعزاء – أن تتصوروا بعد هذا كله ،
القيمة البالغة التي أولاها كتاب
الله، وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم
) لأحداث الماضي ذات الدلالة أي
للتاريخ.
وأحب أن أنبه هنا
إلى أن الاهتمام بالتاريخ يجب ألا
ينصرف – فقط – إلى المهمات الدراسية
الصرفة، والحصول على شهادة التخصص ،
أو ضمان وظيفة ما، كما حدث وبحدث عبر
العقود الأخيرة من الزمن ، كما أن
التاريخ ليس مجرد فرصة يمنحها
الإنسان نفسه للحصول على المتعة أو
تزجية أوقات الفراغ ، كما يتوهم
الكثيرون .. فضلا عن أن الاهتمام
بالتاريخ ليس مجرد محاولة للتعلق
بأمجاد الماضي وإغفال مشاكل وتحديات
الحاضر ومطالب المستقبل ، أو الهروب
منهما بعبارة أخرى .. ولقد كانت هذه
الخطيئة تمارس للأسف الشديد وعلى
نطاق واسع زمن الاستعمار، حيث كان
المسلم يدير ظهره للمجابهة المفروضة
عليه وييمّم وجهه صوب أمجاد الماضي
يتغنى بها ويسد في نفسه نقصا لم
يكن له أي فضل في ملئه .
ليس التاريخ –
أبنائي الأعزاء – هذا وذاك ، وإنما هو
– إذا أردنا التعامل الجاد مع
معطياته – محاولة للبحث عن الذات ..
للعثور على هويتنا الضائعة في هذا
العالم ، للتجذر في ملامحنا
وخصوصياتنا . إنه – بشكل من الأشكال –
محاولة لوضع اليد على نقاط التألق ذات
البعد الإنساني فيما فعله الآباء
والأجداد ، والكشف عن رصيدهم الحضاري
الخصب من أجل استعادة الثقة بالذات في
لحظات الصراع الحضاري الراهن التي
تتطلب ثقلا نوعيا للأمم والشعوب وهي
تجد نفسها قبالة مدنية الغرب الغالبة
.. إزاء حالة من تخلخل الضغط وغياب
التوازن الجوي الذي يسحب إلى المناطق
المنخفضة الأعاصير المدمرة للخصوم
والأعداء ..
أستودعكم
الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي
في حلقة قادمة لمواصلة الحديث عن قيمة
التاريخ إن شاء الله ..
|