مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

نفض وليد الغبار عن ملابسه ونظر من المرتفع الذي يقف عليه نحو مغتصبة للعدو الصهيوني، وردد مع نفسه:

- الأفضل أن أجلس هناك بين الصخور.

وهبط بسرعة وجلس على الأرض بعد أن وضع رشاشه جانباً ثم أخرج ورقة صغيرة وبسطها أمام عينيه وقرأ:

- ولدي العزيز، أريدك حياً دائماً لأنك حي في ذاكرتي، قاتل الأعداء بعنف وانتقم لأبيك الذي كان ثائراً مثلك.

وشعر بدمعة ساخنة تنحدر على خده فتركها تسقط على الورقة، وحمد الله أنه ما زال يتذكر أباه الذي استقرت رصاصة على جبهته ولما بدأ الدم ينزف بغزارة أصر أن يلطخ منديله بدمه، حتى يتذكر ابنه ميتته الشجاعة باستمرار، وفجأة شعر بيد خفيفة تستقر على كتفه فقفز متناولاً سلاحه ثم صاح بدهشة: من؟.. صلاح..

فضحك صلاح قائلاً: آه.. أظننتني من الأعداء؟ حسناً كيف تمت عمليتكم؟..

تناول وليد الورقة التي سقطت منه وأعادها إلى جيبه ثم جلسا معاً، وفتح صلاح منديلاً كبيراً وأخرج منه قطعة من الخبز وقدم لوليد شيئاً منها وراحا يمضغان بتلذذ. قال وليد:

- آه يا صديقي العزيز، إنني لا أشعر بالسعادة إلا حينما أرى أرضي، كم بودي أن أرضي عندي، كم بودي أن أراها لقد حدثني أبي قبل وفاته عنها كثيراً، ترى هل تشبه غيرها؟..

ابتسم صلاح وردّ بهدوء:

- إن أمي تقول أنها لا تشبه غيرها إن لها رائحة خاصة تجعلك في عشق دائم لها.

أطرق وليد قليلاً ثم قال:

- لقد كنت حريصاً على أن أموت في أي معركة مع العدو. أما الآن فأنا حريص على أن أظل حياً أقاتل بعنف كي أنتصر وأشم رائحة ترابها.

تحسس صلاح رشاشه وحاول أن يرفعها بيد واحدة إلا أنه لم يستطع دون الاستعانة باليد الأخرى فقال وليد الذي كان يراقب حركته:

- أرى أنك لم تشارك في عمليات القتال قبل هذه المرة التي شاركنا فيها معاً.. انظر.. ورفع وليد رشاشه بيده اليسرى بكل سهولة ثم قال موضحاً:

- هذا لأنني شاركت بعشر عمليات حتى الآن.

فجأة سمعا صوتاً مدوياً يأتي من خلف المرتفع وأزيز طائرات حاد، فوضع وليد يده على كتف صلاح وانبطحا على الأرض، ومر سرب من الطائرات المعادية فوقهم وهمس صلاح في أذن وليد:

- هل أطلق النار عليها؟..

قال وليد: كلا.. لننتظر قليلاً لأنها ستعود مرة أخرى بارتفاع منخفض..

ثم أضاف:

- حاول أن تطلق النار على مؤخرة السرب..

فسأل صلاح: لماذا؟

وهنا عادت الطائرات ثانية بارتفاع يمكن للصديقين أن يريا قوادها، وبسرعة اعتدل وليد في جلسته وثنى ركبته ثم وجّه فوهة رشاشه إلى مؤخرة السرب وضغط على الزناد وعدّ 1، 2، 3.. ثم التهبت النار في الطائرة وسقطت عمودياً على الأرض.. فابتعد صلاح قليلاً عن موقعه وراح يطلق النار على الطائرات العادية، واستمر الحال أكثر من عشر دقائق وانتظر وليد أن تعود الطائرات ولكنها لم تعد، فوقف ينظر إلى السماء ثم انتبه على صوت ضعيف يناديه، وصاح:

- صلاح، ما بك؟

وأسرع إليه واستلقى بجانبه كان الدم ينزف من جبهته فقال:

- الملاعين، لقد أصابوك..

سأل صلاح: لا يهم، قل لي كم طائرة أسقطنا؟

فقال وليد: طائرة واحدة..

وسكت صلاح قليلاً وحاول أن يرفع رأسه لكنه لم يستطع فنزع وليد قميصه ووضعه تحت رأسه. قال صلاح:

- حسناً إنني لا أستطيع بعد الآن أن أشم رائحة أرضي، كم كنت أتمنى أن ألقي نظرة خاطفة عليها.. ولكن.. ولكن..

ثم انتفض وسكت نهائياً.. وقف وليد وراح ينظر إلى الأفق ثم ردد مع نفسه:

- سأستمر حتى أشم رائحة الأرض..

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006