مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

قيمة التاريخ

(الحلقة الثالثة)

أبنائي الأعزاء ..

ها أنا ذا أواصل حديثي إليكم عن قيمة التاريخ ..

 فرغم ما قلناه في الحلقتين السابقتين نجد معظم طلبة التاريخ في جامعاتنا يعانون للأسف الشديد من عقدة الإحساس بالنقص إزاء الفروع والتخصصات الأخرى، بينما نجد هؤلاء الطلبة في جامعات العالم المتقدم يتمتعون بأعلى وتائر الثقة والطموح، والإعتقاد بأنهم يمضون للتخصص في واحد من أكثر فروع المعرفة الإنسانية أهمية وفاعلية.

وأنتم تعرفون جيدا كيف أن العديد من قادة الغرب وساسته ومفكريه المهيمنين على مفاصل الحياة الحساسة هناك، هم من خريجي التاريخ. وأحب أن أحدثكم عن تلك المناظرة التي جرت، قبل أكثر من نصف القرن ، بين المؤرخ البريطاني المعروف ( أرنولد توينبي ) وبين سفير إسرائيل في كندا .

طرح السفير حججه فيما يعتقده حقا تاريخيا لليهود في فلسطين وأعرب عن استعداده لتأكيد رأيه لكل من يرغب في مناقشته، فتصدى له توينبي ودخل معه في حوار استغرق أكثر من ثلاث ساعات وانتهى بتفنيد حجج السفير الواحدة تلو الأخرى .. وفي الحالتين فإن الخبرة التاريخية هي التي دفعت السفير إلى تحديه وجعلت توينبي يستجيب له وهو يعرف مسبقا أنه يملك الأدلة.

لقد أطلق أجدادنا على التاريخ اسم ( أبي العلوم ) وهم يدركون جيدا أن المعرفة التاريخية تستلزم إلماما بمعظم المعارف الإنسانية الأخرى لأن التاريخ هو حركة حياة بكل ما تنطوي عليه الحياة من معارف وخبرات.

ومنذ عقود بعيدة في الزمن مارس الآباء في ديارنا خطيئة عدم تنبيه أبنائهم إلى أهمية التاريخ ، بل إنهم عمقوا في نفوسهم نظرة الإزدراء إليه، والى معظم الفروع الإنسانية الأخرى كالجغرافيا والإدارة والاقتصاد والآداب والفنون .. الخ .. من أجل أن يدفعوا بهم صوب التخصص في الفروع العلمية الصرفة كالطب والهندسة، والتي كانوا يعتقدون أنها تقدم ضمانات أكثر في المستقبل لأبنائهم سواء على المستوى المعيشي أو المكانة الاجتماعية.

وأنا لا أتجه في مقالاتي هذه عن قيمة التاريخ إلى المسلمين عموما ، فإن لهم أن يفعلوا ما يشاءون مع أبنائهم ، ولكني أتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين يتحتم أن يولوا المعرفة الإنسانية ، والتاريخية خاصة ، اهتماما أكبر ، ويغروا أبناءهم بالإفادة من الفرصة الجامعية ، من أجل أن يكون هناك عدد كاف من المتخصصين في هذا الفرع  قدير على مجابهة التحديات الثقافية التي ترتبط بالخبرة التاريخية أشد الارتباط.

استودعكم الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي في حلقة قادمة لمواصلة الحديث عن قيمة التاريخ إن شاء الله ..

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006