مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

قيمة التاريخ

(الحلقة الرابعة)

أبنائي الأعزاء ..

ها أنا ذا أواصل حديثي إليكم عن قيمة التاريخ ..

لقد كتب المؤرخ الفرنسي المعروف (هنري كروسيه) منذ ما يزيد عن نصف القرن كتابه الموسوم (رصيد التاريخ) محاولا فيه أن يمارس قراءة متأنية للتاريخ الأوروبي (المسيحي)، وأن يمضي إلى ما وراء الوقائع والأحداث ، بحثا عن الجوهر والمغزى ..

وكم نحن بحاجة إلى محاولات كهذه تمضي للتعامل مع تاريخنا بحثا عن رصيده الباقي، القدير على الحضور والتأثير في قلب العصر وفي المستقبل ، من أجل إعادة صياغته بما يجعله أقرب إلى إنسانية الإنسان ومطامحه وهمومه من خلال التصور العالي والمحكم الذي جاء به إسلامنا العظيم.

إن التاريخ ليس، كما يخيل للكثيرين، مجرد حروب ومعاهدات، أو سلالات حاكمة تسقط وأخرى تقوم .. إنه قبل هذا وبعده، خبرة حضارية، ومشروع للتعامل مع الإنسان، وفرصة لاختبار قدرة العقائد والأديان على التحقق في أرض الواقع، ولتأكيد مصداقيتها وقدرتها على العمل.

وتاريخنا بالذات يتميز بكونه انعكاس أكثر صدقا لتأثيرات الإسلام، لقدرة هذا الدين على إعادة صياغة العقل والوجدان، وترتيب الظواهر والوقائع والأشياء فيما يضعها جميعا في حالة الوفاق والانسجام المنشود الذي هو أحد الأهداف الأساسية لهذا الدين الذي يستهدف جعل الإنسان والعالم يتجهان بنبضهما وحركتهما ومعطياتهما كافة إلى الله وحده.

إن الدراسة التاريخية – والحالة هذه -  تغدو ضرورة من الضرورات، لأن العقيدة لا تتحرك في الفراغ، ولا بد لها من فضاء تتشكل فيه وتعبر عن قدرتها على الفاعلية، حيث يصير التاريخ في جوانب كثيرة منه المرآة التي تعكس الحالة الإسلامية، بدرجة أو أخرى، على صفحة العالم.

والآن .. فإني أريد أن أمضي معكم – أبنائي الأعزاء – إلى الجانب الآخر من مقالاتي هذه، وبالقدر الذي يسمح به الوقت، لمتابعة البعد الحضاري لتاريخنا، أو بعبارة أدق: البحث عن الخصائص الإنسانية لهذه الحضارة، تلك الخصائص التي نسجها هذا الدين، والتي تمنح المبرر والدافع لاستعادة المحاولة من أجل أن تنهض حضارة الإسلام كرة أخرى، ما دامت تحمل هذا القدر من الخصب والعطاء في تعاملها مع الإنسان .

إن هذه الاستعادة، إذا أردنا الحق، تصبح، فضلا عن كونها ضرورة عقدية، ضرورة إنسانية للمشروع الحضاري البديل الذي يصوغه الإسلاميون اليوم، لا سيما ونحن نرى الإنسان في المدنية المادية المعاصرة يكاد يختنق ويضيع، وهو يتلقى يوما بعد يوم ضغوطا ودفوعا تبعد به أكثر فأكثر عن إنسانيته، وعن تكوينه الآدمي كما أراد له الله سبحانه أن يكون، فيشعر في لحظات الوعي أنه بأمس الحاجة إلى استعادة وضعه البشري. 

إن التاريخ المعاصر هو تاريخ تفوق التكنولوجيا الغربية، تفوُق الخدمات والتخطيط والنظم المادية، لكنه زمن هزيمة الإنسان وانحساره وتضاؤله .. إزاء نفسه وإزاء مجتمعه وإزاء الله سبحانه ..وإن طلائع الفكر الغربي طالما تحدثوا عن هذا، وليس هناك مجال في هذا المقال للوقوف عند أقوالهم واستنتاجاتهم، ويكفي أن نشير إلى بعض الأسماء فلعلنا نرجع إليها في مقالات أخرى: أرنولد توينبي، مارسيل بوازار، كولن ولسون، برناردشو، اشبنغلر، أريك فروم ، سيغربد هونكة، لورا فاغليري، دوبو، ليوبولد فايس، روجيه غارودي .. وموريس بوكاي.

 استودعكم الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي في حلقة قادمة لمواصلة الحديث عن قيمة التاريخ إن شاء الله ..

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2007