مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

على سور مدرستنا، رأيت صورته متشحة بالسواد، كان يشبه أبي، ولا أدري لماذا دمعت عيناي حين قرأت " ننعى الشهيد.." وفي البيت رأيت الرجل نفسه يطل من الجريدة التي يقرؤها أبي، فلم أتمالك نفسي، وهتفت بصوت تخنقه الدموع.. بابا..

التفت أبي إليّ وقال: زينب، أين قيس؟"..

لم أجب، كانت الدموع تخنقني، فتساءل أبي باهتمام "ما لكِ!" فقلت، والدموع تطفر من عيني: "لا شيء".

هربت من أبي، هربت من الشهيد وقبل أن أدخل غرفتي، سمعت أبي يسأل قيس، مالها زينب؟ وعلى عادته أجاب قيس وهو يرمي بحقيبته جانباً: لا أدري.. ثم راح يصيح: أين ماما إنني جائع.. جائع.. دفنت وجهي في المخدة، ولكن وجه الشهيد عاد من جديد، ترى من قتله! إن وجهه يشع بالخير والنبل، فلماذا قتلوه! لماذا؟ أيقظتني أمي وقالت لي وهي تضع يدها فوق جبيني: زينب، مالكِ يا حبيبتي..

هززت رأسي وتمتمت: لا شيء..

لكن أباك أخبرني أنك كنتِ تبكين..

أجهشت بالبكاء فاحتضنتني أمي وهي تقول:

- مالكِ يا عزيزتي! ما الذي يبكيكِ؟..

فتحت عيني الغارقتين بالدموع وقلت:

- رأيت صورة شهيد فلسطيني على سور مدرستنا..

وفي قلق تطلعت أمي إليّ دون أن تنبس بشيء، فقلت بصوت باكٍ: كان يشبه أبي..

حدقت أمي بي لحظة، وحاولت أن تبتسم لكن رعشة من البكاء هزت شفتيها فضمتني إلى صدرها دون أن تقول شيئاً.

وقفت معلمة التربية الوطنية أمام السبورة وقالت وهي تفتح الجريدة:

- عزيزاتي انظرن إلى صورة هذا الشهيد ، من منكن تعرف من قتله؟

أنا أعرف أنه الرجل الذي يشبه أبي، وحاولت أن أرفع يدي وسرعان ما قالت معلمتي: تفضلي.

انتفض قلبي في صدري يا إلهي، أهي تقصدني، ولكني لم أرفع يدي وقبل أن أنهض سمعت صوت صديقتي خولة:

- أعداؤنا الصهاينة قتلوه..

- أجل، الصهاينة أعداؤنا وأعداء كل الطيبين في العالم، قتلوه وقتلوا رفاقه.

تطلعت المعلمة إليّ، كانت عيناي غارقتين بالدموع، فقالت وكأنها تخاطبني:

- لقد بكاهم الآلاف من أمتنا، لكن الدموع لن تجدي نفعاً، إذا كنا نجلهم حقاً، فعلينا أن نقتدي بهم، ونسير على الطريق الذي سلكوه.

في الساحات العامة وعلى امتداد الشوارع وفوق جذوع الأشجار كانت صور الشهداء ترفرف ... وفوق زيتونة شامخة رأيت صورته متشحة بالسواد، وتخيلت أبي يحمل رشاشه ويقتحم مع مجموعة من المجاهدين مستعمرة للعدو ، وعلى الرغم من الضجيج فقد سمعت معلمتي تقول: هذا هو الطريق.

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2007