بإمكانكم إضافة بريدكم الإلكتروني لنرسل إليكم التحديثات والإضافات

 

الأعداد السابقة

قيمة التاريخ  

بقلم : د. عماد الدين خليل

(الحلقة السادسة)

أبنائي الأعزاء ..

ها أنا ذا أواصل حديثي إليكم عن قيمة التاريخ .. وكنت قد أشرت في الحلقة السابقة على بعض خصائص حضارتنا الإسلامية، وأريد الآن أن أضيف شيئا بخصوص ما يمكن تسميته بالأممية الإسلامية التي شهدها هذا التاريخ.

لقد منحت كل الشعوب والجماعات التي انضوت تحت مظلة هذا الدين فرصتها في الحياة والتحقق والتعبير عن الذات .. لقد كانت فرصة مفتوحة بمعنى الكلمة، سمحت حتى للعبيد والمماليك أن يواصلوا الصعود إلى فوق ويشكلوا دولا. بل إنها مضت لكي تمنح غير المسلمين في بلاد الإسلام حقهم المشروع في المجالين المدني والديني على السواء. فليس ثمة يهودي أو مسيحي أو مجوسي أو بوذي أو صابئي لم يجد الطريق مفتوحا أمامه للتعبير عن ذاته وقدراته، ولممارسة حرياته الدينية، ولأخذ موضعه المناسب في نسيج الحياة الاجتماعية أو دوائر الحكم والمال .

إن هذه الأممية انفتحت على سائر صيغ التعددية العرقية والدينية والمذهبية واللونية والطبقية، فلم تبن إزاء أي منها سدا أو تحول بينها وبين الصعود. وهي أممية تختلف في أساسها عن الأممية الشيوعية التي سعت منذ البداية، وبحكم قوانين التنظير الصارمة لماركس وانغلز وستالين، إلى إلغاء التنوع ومصادرته، والى تحقيق وحدة قسرية ما لبثت أن تأكد زيفها وعدم القدرة على تنفيذها تاريخيا. وبمجرد إلقاء نظرة على خارطة الاتحاد السوفياتي قبل سقوطه، والرفض المتزايد الذي جوبهت به الأممية الشيوعية من قبل حشود الأقوام والشعوب التي تنتمي إلى أصول وأديان وبيئات متنوعة، ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الإسلامي من تبلور كيانات إقليمية متغايرة في إطار وحدة عالم الإسلام وثوابته وأهدافه المشتركة، يتبّين مدى مصداقية المعالجة الإسلامية لهذه المعضلة.

ثم إن تاريخنا الحضاري صاغ نمطا من المجتمعات لم تشهده ولن تشهده سائر التجارب الاجتماعية الأخرى في الماضي والحاضر .. وليس هذا كلاما يقال، وإنما هو أمر متحقق بحكم الشواهد الرقمية والإحصائية التي لا تقبل مماحكة ولا جدلا. فإن المجتمعات الإسلامية ظلت حتى في لحظات الإنكسارات السياسية والعسكرية والحضارية، أقل المجتمعات إدماناً للمخدرات، وتعاطيا للحشيش والأفيون وسائر المغيبات الأخرى .. أقل المجتمعات شذوذا جنسيا، وهروبا جماعياً، ودماراً أسرياً، وإقبالا على الانتحار.. أقلها تبذلاً وتهتكاً واغتصاباً .. أقلها في معدلات الجريمة على مستويي النوع والكم .. وأقلها – كذلك – في رؤيتها التشاؤمية للحياة، وفي منظورها العبثي للوجود، والذي يصل أحيانا حد رفض كل الثوابت والمؤسسات الحضارية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والدينية في تاريخ الإنسان .

أستودعكم الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي قي حلقة قادمة لمواصلة الحديث عن قيمة التاريخ إن شاء الله .. 

مكتبة الأطفال

أرسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحاً

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2007