بإمكانكم إضافة بريدكم الإلكتروني لنرسل إليكم التحديثات والإضافات

 

الأعداد السابقة

تأليف : محمد بسام ملص

كم هي سعيدة بما جرى لأبيها ! فهو قد أصبح خليفة للمسلمين ، وسيحقق لها أمنية عزيزة إلى قلبها : إنها تتمنى لو تحصل على لؤلؤة تشبه تلك التي عندها ، وبذلك تصبح عندها لؤلؤلتان تزيِِن بهما أذنيها ، وأسرعت نحو أمها تبث إليها ما في نفسها ، فإن كان أبوها في شغل عنها ، فإن أمها لن تكون كذلك ، ولا بد أن تستمع إليها. 

وأسرعت نحو  أمها ، فإذ بها تفاجأ بأنها تطبخ عدسا ، وقالت في شيء من الضيق : " أمي ، اليوم عدس أيضا ؟ " ، كانت الأم تعد الطعام في هدوء ، فأجابتها :

" هذا طعام أمير المؤمنين يا ابنتي " ، ولم تشأ الابنة أن تغضب أمها ، وهي تتذكر أصناف الأطعمة الشهية التي كان أبوها يأكلها قبل أن يصبح خليفة ، وبدل ذلك بادرت إلى سؤالها : " أمي ، لماذا لا تتزينين بالجواهر التي عندك ؟ " ، فردَت الأم في هدوء أدهش الابنة : " لقد اخترت أباك يا ابنتي ، وحُليي الآن قد أصبحت في بيت مال المسلمين " .

كادت الابنة أن تقول لامها : " ليتك أبقيت لي لؤلؤة حتى أزين بها أذني ! " , ولكنها لم تفعل ، فلماذا لا تبعث بخادم إلى أبيها ؟ فقد يرق قلبه ويرسل إليها لؤلؤة شبيهة بتلك التي تملكها ، وعنده كثير في بيت المال !

وقف الخادم بين يدي الخليفة عمر بن عبد العزيز وأعلمه برغبة ابنته في الحصول على لؤلؤة تماثل تلك التي عندها حتى تجعلهما في أذنها ، وتمنى الخادم في تلك اللحظات لو أنه لم  يقم بهذه المهمة ، 

إنه يرى الخليفة صامتا مطرقا وقد تغيرت ملامح وجهه ، بل إن الخادم تمنى لو أن الأرض تبتلعه في هذه البرهة حتى يغيب عن ناظري أمير المؤمنين فلا يراه وهو على هذه الحال .

أما الابنة فإنها قد بقيت في بيتها تنتظر على أحر من الجمر ، وتمني النفس وتطمئنها بأن أباها لابد أن يلبي لها رغبتها وهي عزيزة إلى قلبه ، كما أن لها حقا عنده ، ومن بعيد رأت الخادم يسرع نحو البيت ، ولم تنظر إلى عينيه ، بل نظرت إلى ما كان يحمل بيده ، وتبسمت ، فظنها بأبيها لم يخب ، وهو ذا يحقق لها أمنية غالية إلى نفسها ، ستزين أذنيها باللؤلؤتين وستنظر إليها بنات الأمراء بكثير من الإعجاب والدهشة ، وربما عمدت كثيرات من البنات إلى شراء لآليء حتى يفعلن ما فعلت هي .

ما إن استأذن الخادم بالدخول حتى قالت له بلهفة : " هيا . . أسرع . . أعطني اللؤلؤتين " ورأت في وجهه قلقاً شديداً ، وكان يتنفس بصعوبة جراء ركضه ، وكان عرق غزير يتصبب منه ، ورغم ذلك كله فإنها لم تهتم لأمره ، بل سألته وهي لا تخفي غضبها :

" لماذا تأخرت أيها الخادم ؟ ألا تعلم أن لصبري حدودا ؟ ! " ، أجاب الخادم وهو ما زال يلتقط أنفاسه : " كان عليَ أن أمرَِ على مطبخ المسلمين " ، ولم تتمالك نفسها فقالت بحدة : " ماذا ؟ لقد طلبت منك لؤلؤة ولم أطلب طعاما . أين اللؤلؤتان ؟ " .

نظرت الابنة إلى وعاء بيدي الخادم ، وفوجئت بجمرتين فيه ، فسألته عنهما ، فأجاب دون أن يرفع بصره إلى أعلى :

" يقول أمير المؤمنين لابنته : (( إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت للؤلؤة )) " .

أسرعت الأم إلى ابنتها وقد سمعت صوت ارتطام الوعاء ، وانصرف الخادم في هذه اللحظات

الحرجة ، وأخذت الأم ابنتها إلى صدرها ، وراحت تخفف عنها ، ودموع ابنتها تنحدر على خديها .

عاد أمير المؤمنين مساء إلى بيته ، واقترب من ابنته وهو يرى أثر دموع في عينيها ، ثم ضمها إلى صدره ، وقال لها في محبة : " أخاف يا ابنتي أن يسألني الله عن هذه اللؤلؤة ، وهناك مسكين وفقير ومحتاج وسائل " ، وانحدرت دمعتان على خديه .

وفي صباح اليوم التالي كانت الابنة تقف أمام باب البيت تنتظر أباها قبل أن يغادر ليتولى أمور العباد والبلاد ، فقالت له وهو يهمُ بمغادرة البيت : " يا أمير المؤمنين ، هذه لبيت مال المسلمين " ،  ونظر إلى اللؤلؤة في يدها وقال : " بارك الله فيك يا ابنتي " .

مكتبة الأطفال

أرسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحاً

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2007