|

 
قيمة
التاريخ
بقلم
: د. عماد الدين خليل

(الحلقة
الثامنة)
أبنائي
الأعزاء ..

ها أنا ذا أواصل
حديثي إليكم عن قيمة التاريخ وسأعرض
اليوم لبعض شواهد تعاملنا مع الآخر.
في أعقاب فتح
خيبر من العام السابع للهجرة، وضع
الفاتحون أيديهم على ملفّات من أسفار
التوراة المسماة بالعهد القديم ..
جاءوا بها إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم .. كان بمقدوره وهو المنتصر
على فئة من الخصوم ما وجدت فرصة
مشروعة أو غير مشروعة إلاّ سخرتها
لتدمير الإسلام والمسلمين، والقضاء
على رسولهم ودولتهم أن يأمر بإحراق
هذه الملفات.. لكنه صلى الله عليه وسلم
ما لبث أن أعاد إلى اليهود أسفارهم
دون أن يمسّها بأذى.
إسرائيل
ولفنسون، الباحث اليهودي المصري،
يشير في رسالة للماجستير عن تاريخ
العلاقات اليهودية الإسلامية في
جزيرة العرب، إلى هذه الواقعة
بإعجاب، ويقول أن اليهود لا يزالون
يشيرون بتقدير وإعجاب إلى سماحة نبيّ
الإسلام وتفوّقه على كل إغراءات
التعصب فيما لم تفعله المسيحية في
تاريخها كله وهي تكتسح خصومها.
نقارن هذا بما
فعلته محاكم التحقيق والكنيسة
الكاثوليكية في الساحة الأندلسية مع
التراث الإسلامي زمن انتصار فرديناند
وإيزابيلا وسقوط غرناطة آخر المواقع
الإسلامية هناك .. لقد كانوا يصدرون
أوامرهم بجمع هذا التراث في شتى حقول
المعرفة ويركمونه أكداساً في الساحات
العامة في قرطبة وإشبيلية وطليطلة
وغرناطة لكي يشعلوا فيه النار قبالة
جماهير المسيحيين التي كانت تستدعى
لمشاهدة ما أسموه (أعمال الإيمان)!
وهناك إحصائية
تشير إلى أنه لم يتبق من هذا التراث
الذي بلغ ما يقرب من ثمانمائة ألف
مخطوط سوى ثمانية آلاف وضعت في أقبية
متحف الاسكوريال في مدريد، وهناك
لاحقتها النار فأحرقت منها ستة آلاف
أخرى ولم يتبق اليوم سوى ألفي مخطوط
من ذلك التراث الخصب الذي غطى سائر
فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية
والعلمية.
واليوم فإن
الباحثين الإسبان يعضّون أصابع الندم
على ما فعله أجدادهم، ولكن بعد فوات
الأوان، وبعد أن ضيّع الأجداد على
أنفسهم باندفاعة التعصب الأعمى، فرصة
الإفادة من هذا التراث وأخذ زمام
المبادرة في حركة التقدم العلمي
والتطبيقي قبل الإنجليز والفرنسيين
والألمان.
أستودعكم
الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي
في حلقة قادمة لمواصلة الحديث.
|