|
كان أبوهم وأمهم يستعدون
للوضوء والصلاة وهما يلقيان عليهم
بالتحية والتهنئة، ويقبلانهم على
خدودهم.
كان باقياً بعض الوقت على
موعد أذان الفجر، وكان الجو لطيفاً في
الخارج، والأنوار والزينات تملأ
الدنيا، خصوصاً الأنوار الملونة لمسجد
القرية. كانت الأنوار أقوى من الليل
الكبير، وكان الجو مملوءً بنباح
الكلاب، ونهيق الحمير، وخوار العجول،
ونقيق الضفادع، كأنها تحتفل معهم
بالدنيا الجديدة التي ستأتي مع هذا
اليوم.
خرجوا للجلوس على الأرض
بجوار بيتهم، وكان القمر طالعاً، يكشف
نوره عن الشكل الجميل للأشجار
والمزارع الكبيرة، الواسعة.
كان النور ساطعاً من بيت
الشيخ عطوة المجاور لبيتهم، وكذلك من
بيت الحاج رضوان القريب منهم، بل إنهم
رأوا كل البيوت في القرية تسطع بالنور
من قريب ومن بعيد.
وضع محمود رأسه على فخذ حسن
وهو يجلس بجانبه، وعيناه مفتوحتان في
أضواء السماء، وجلست سلوى بجوارهما،
وراحوا يتحدثون عن الرحلات المدهشة
التي سيقومون بها عند طلوع النهار،
ويحددون الأشخاص الذين سيزورونهم من
الأقارب والأصدقاء، والمال الكثير
الذي سوف يحصلون عليه، والأشياء
الكثيرة الجميلة التي سيشترونها.
مرّ عليهم الشيخ عطوة وهو في
طريقه إلى المسجد، عند اقترابه منهم
قال لهم بصوته الغليظ:
- أليس صعباً عليكم الجلوس في
الظلام يا أولاد؟
قالت سلوى وهي تبتسم في فرح:
- ننتظر أذان الفجر.
مرّ عليهم بعد ذلك الحاج
رضوان ومعه ابنه الأكبر، وكانا
منشغلين بالحديث فيما بينهما.
سمعوا الحاج رضوان يقول
لابنه:
- أريدك أن تكون من العلماء
الكبار.
ثم سمعوه يقول له:
- بعد أن تدرس الـ....
لم يسمعوا بقية الحديث بسبب
ابتعادهما عنهم، وكانت أصوات الناس
تملأ المكان، والمصلون يأتون من هنا
وهناك في طريقهم إلى المسجد.
قال محمود بعد أن سمع
الكلمات التي قالها الحاج رضوان لابنه:
- أريد أن أكون من العلماء.
ضحكت سلوى وهي تسأله:
- كيف؟
وقال له حسن:
- تحتاج أن تقرأ العلوم كلها.
صاحت سلوى مندهشة:
- كلها..؟
انقطع حديثهم فجأة مع انطلاق
صوت أذان الفجر الذي ظلّ يملأ الجو
بأنغامه السحرية الجميلة.
نهض محمود سريعاً وهو يصيح
قائلاً لهم:
- هيا نلبس ملابسنا الجديدة
لنلحق بصلاة العيد.
وانطلقوا يتسابقون إلى
بيتهم وهم يشقون الريح بخطواتهم، مع
وصول صوت الأذان الجميل إلى لون الفجر
الأحمر المضيء في الفضاء البعيد.
|