|
قاد "بسيوني" سيارته الفارهة
الأنيقة في شوارع المدينة، وهي مزدحمة
بالعائدين إلى بيوتهم، إذ بدأت الشمس
تميل إلى الغروب وراح في أثناء ذلك
يستعرض في رأسه أسماء بعض المطاعم
الفاخرة، والفنادق الفخمة التي يمكنه
أن يتناول طعام الإفطار فيها، ولم
يستقر رأيه على أي منها، خاصة وهو يريد
أن يجد رفيقاً له، يبادله الحديث،
ويأنس له.. وفجأة قفزت إلى ذهنه أسماء
بعض أقاربه، وهو ودود معهم، يزورهم
ويزورونه، لكنه كان حيياً، لا يحب أن
يفرض نفسه على الآخرين، كما لم تكن به
رغبة في أن يفاجئهم، ويزعجهم، لهذا راح
يقود سيارته بلا هدف.. وهو جائع، مرهق،
وزاده الزحام
وأبواق السيارات تعباً فوق تعبه،
وضيقاً على ضيقه، لكن روائح طعام شهية
بدأت تشيع هنا وهناك، وقد أدرك أنها
مطابخ رمضان وموائدها قد بدأت تستعد،
وبعد لحظات سوف يؤذّن للمغرب.. ولمح
بعينيه على الطرقات بعض الصائمين من
الفقراء، يتجهون نحو الموائد التي
أقامها المحسنون، متناثرة هنا وهناك..
هي لم تسترع انتباهه من قبل، ولم يفكر
فيها كثيراً، لأنه اعتبرها فيما بينه
وبين نفسه إعلاناً ممجوجاً عن الطيبة،
وعن الكرم، وعن الوجاهة، لكنه تطلع
لبعضها بجوار المساجد، وشعر أن
أصحابها "جماعة" من الناس لا
يعلنون عن أنفسهم مثلما يفعل بعض
الأثرياء، وتذكر فجأة صديقاً يسكن قرب
المكان الذي هو فيه، لكنه سرعان ما
نحاه من ذهنه، واستمر يقود السيارة،
رغم وثوقه أن زيارته لصديقه هذا ستقابل
بحفاوة، كما أن مائدته دائماً حافلة
بكل ما لذّ وطاب من طعام رمضان..
بدأت قيادة السيارة تصبح عبئاً ثقيلاً
عليه، يصعب احتماله، كما أن تشتته
وتردده، وعدم قدرته على حسم الموقف
زاده توتراً، وهو يمضي في بطء نتيجة
لاحتشاد السيارات على الطريق.. وأثناء
ذلك لمح واحدة من موائد الرحمان، بجانب
مسجد، وترامت إليه رائحتها النفاذة
الزكية.. وتملَّى فيها، وإذا به يجدها
مهرجاناً ذا ألوان بديعة، على الرغم من
أنه لا يعرف نوعيتها.. وتنبّه إلى أنه
لم تتبق إلا بضع دقائق على موعد
الإفطار، وأن عليه أن يتخذ قراراً
سريعاً.. خاصة وقد جرى ريقه في هذه
اللحظة.
وفي هدوء وجد نفسه، يقود السيارة إلى
مكان خال بجانب المسجد الذي صفّت موائد
الرحمان بجواره.. ووضع السيارة،
وغادرها في هدوء، واتجه نحو تلك
الموائد وقد قرر أن يشارك الفقراء فيها..
وكان منظره بينهم غريباً، إذ أن ثيابه
تؤكد ثراءه، ومظهره ينمّ على أنه لا
ينتمي إلى هذه المائدة وروادها..
جلس مع الصائمين القادمين للإفطار،
وتناول الطعام معهم، وتبادل حديثاً
ودوداً جميلاً، وصلّى معهم المغرب،
وبقي بالمسجد إلى صلاة العشاء.. وقبل أن
يغادر سأل عن الهيئة التي أقامت هذه
الموائد، وترك لها شيكاً بمبلغ ألف
جنيه!
كانت هذه الوجبة ألذّ ما تذوّق من طعام
في عمره!
|