|
فقد واجه أجدادنا
معضلة رفع الماء من الأنهار والجداول
إلى قنوات جديدة تنقله إلى الحقول،
ولوفرة المياه في أنهار تنخفض عن سطح
أراضي الحقول، فإنهم كانوا السباقين
إلى تطوير ما كان معروفاً من رفع للماء
بقوة اليد أو الحيوان، فالمعروف أن
المجتمعات العربية الزراعية، توصّلت
بادئ الأمر إلى طريقة بدائية ترفع بها
الماء مع تقليل الجهد المبذول، وذلك
بواسطة ما سُمِّي بالـ (كرد): وهي عصا
تستند في وسطها إلى مفصل يقع في أعلى
عمود ثابت في الأرض، حيث يتحرك طرفا
العصا (أعلى – أسفل، أسفل – أعلى) فإن
هبط طرف ارتفع الطرف المقابل في الجهة
الثانية من المفصل، وقد وضعوا ثقلاً
ثقيلاً في نهاية الطرف الذي يلامس
الأرض عند هبوطه، وربطوا دلواً في
الطرف المقابل الذي يكون هبوطه فوق ماء
النهر، فعندما يرفعون الطرف المثقل ،
يهبط الطرف ذو الدلو، ويمتلئ الدلو
ماء، فإذا تركوا الطرف المثقل هبط بفعل
ثقله إلى الأرض، وارتفع الدلو في الطرف
الآخر مملوءاً ماء فيسكب ماؤه في قناة
أو جدول.. وهكذا.. لكن التطور الحقيقيّ
هو توصُّلهم إلى آلة رفع الماء (الناعورة)
التي هي عبارة عن عجلة عمودية مغمور
ربعها في ماء النهر، عليها دلاء مربوطة
ببعضها مثل سلسلة تحيط بالعجلة وينغمر
بعضها معها في الماء، ويرتبط محورها
بعجلة أخرى تتعشق أسنانها بأسنان عجلة
تدور أفقياً، وترتبط بذراع أو عصا
طويلة تربط إلى حيوان (حصان أو بغل أو
حمار أو ثور) تُحْجَبُ عيناه، فيدور في
الذراع الذي يدير العجلة الأفقية،
فتدير معها العجلة العمودية، ومع
دورانها تنغمر دلاء منها في الماء
وتخرج مليئة، ثم حين تهبط تميل ويندلق
ماؤها في قناة أو جدول إلى المزارع أو
الحقول.
لكن القفزة
الحقيقية هي حين توجهت أنظار المسلمين
إلى قوة الهواء وقوة الماء على نحو
رئيس بسبب أن الماء دائم الجريان في
كثير من الأنهار، فصنعت عجلات بأذرع
تشبه المغاريف، تديرها حركة الماء،
فتدور معها عجلة تتعشق أسنانها بأسنان
عجلة أخرى يرتبط بها مكبسان، حيث
يسحبان الماء، ويدفعان به في أنبوبين
موصولين بأنبوب أكبر، يتدفق منه الماء
إلى قنوات الحقول.
وكان من المعروف
أن العرب المسلمين هم الذين توصلوا إلى
رفع الماء بما يسمى المضخة الكابسة،
وكان الحدادون وصنّاع الأدوات
المعدنية، خصوصاً من المعادن الخفيفة،
يصنعون تلك المضخات الصغيرة التي
تُحْمَلُ ويحرّكها مكبسها باليد،
فتوضع في السائل، ماء كان أو غيره،
وتُسْحَبُ ذراع في أعلاها ويُهْبَطُ
بها داخل أسطوانة، فيرتفع السائل ثم
يندفع في أنبوب مركب في أعلى الأسطوانة.
وعلى الرغم من
التطور الكبير في أنواع وأحجام وقدرات
المضخات الحديثة، منذ الثورة الصناعية
في الغرب، حتى الآن، لكن المبدأ الذي
اخترعه العرب بقي على حاله، وتغيرت
القوى المحركة للأذرع المرتبطة
بالمكابس التي تسحب الماء وتضخّه إلى
الأنبوب أو الفتحة التي يتدفق منها إلى
الخارج، وهذا بالطبع بالنسبة للمضخات
المكبسية.
ترى إلى أيٍّ من
الآفاق كانت حضارة الإسلام ستصل لو
أنها استمرت في مسيرتها المتصاعدة حتى
وقتنا الحاضر؟.
|