|
ومثل هذه المستشفيات كانت تُحْمَلُ
على ظهور الجِمال والبِغال والحمير،
وتُنْقَلُ من بلد إلى آخرَ حسب الحاجة
إليها، التي تحدّدها الحروبُ،
وانتشارُ الأوبئة والأمراض، أو خلوّ
بلد ما من مركز تطبيب وأطباء و
صيادلة، وبلغت
بعض هذه المستشفيات في ضخامتها، أنها
كانت تُحْمَلُ على أكثر من أربعين
جملاً غير البغال والحمير، وربما
الخيل المرافقة للجمال.
ولم يكتفوا
بالتنقل حسب الحاجة أو الطلب، بل كانت
هذه المستشفيات تفتح أبوابها للناس في
كل قرية أو مركز يحلّون فيه، فيقومون
بمعاينة المرضى، ووصف الدواء لهم،
وتزويدهم بالدواء، وربما كانوا يمرون
بالسجون، فيزور أطباؤها السجناء،
ويقدمون العلاج للمرضى منهم.
وكانت الخيام
المرافقة للجيوش الإسلامية، بمثابة
مستشفيات صغيرة أو محطات طبية متنقلة
مع الجيش، وكانت خيمة (رفيدة) وهي امرأة
من قبيلة (أسلم)، بمثابة عيادة
ميدانية، أو مستشفى كانت تداوي به
الجرحى ومن بهم مرض.
وقد استمرت هذه
المستشفيات المحمولة، خلال كل تاريخ
الدولة الإسلامية. وكان القادة
يهتمّون بها، كما يهتمّون بإعداد
الجيوش، ويجهِّزونها كما يجهِّزون
الجيوش، وينتدبون لها الأطباء
والسُّعاة والنساء العاملات في
الإخلاء والتمريض، كما يفعلون
بالإعداد للجيوش تماماً.
ومن الطريف، أنه
في بعض الحروب مثل (حرب بابك) لم
يُتْرَكْ بغل واحد إلاّ ووُضع عليه
مَحْمَلٌ للجرحى، وأُخْرِجَ معه
المتطببون، وحُمِلَ معه الكعك
والسَّوِيْقُ، وغير ذلك، ممّا يحتاج
إليه الجريح أو المريض.
وقد ذكر المؤرخون
نماذج كثيرة من تلك المستشفيات
المحمولة، ومنها ما رواه (ابن خلِّكان)
و(ابن القُفْطيِّ) غير ما ذكرنا، ومن
هذه: أن الوزير (عليَّ بن عباس بن ثابت
بن الجراح) في أيام الخليفة (المقتدر)
وبناءً على مشورة من رئيس أطباء بغداد (سنان
بن قره) أرسل للخليفة يقول: (فكرتُ -مدّ
الله في عمرك- في من في السواد من
أهله، وأنه لا يخلو من أن يكون فيه
مرضى، لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد
من الأطباء، فتقدم -مدّ الله في عمرك-
بإنفاذ (بإرسال) متطببين وخزانة من
الأدوية والأشربة يطوفون بالسواد،
ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو (الحاجة)
إلى مقامهم، ويعالجون من فيه، ثم
ينتقلون إلى غيره..).
وقد أشارت
المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه)
إلى أن هذه المستشفيات المتنقلة،
المحمولة بين القرى والمدن والأرياف،
كانت شائعة أيام سيادة الحضارة
الإسلامية.
ولم يكن تأثير
مثل هذه المستشفيات على مداواة الجرحى
والمرضى، وإقامتهم للعناية الطبية بهم
فحسب، بل كان لها تأثير آخر سجّله
المؤرّخون. فعدا عن توفير الأطباء
والمضمدين و(الآسيات – الممرضات)
ولفافات الضماد وكثير من النباتات
الجافة وأوراق الأشجار، وربما جذورها
اليابسة، لاستخدامها في تضميد الجراح
ومعالجة المرضى، فإنها كانت تنقل معها
الخبرة والمعرفة بانتقالها من مكان
لآخر، وانتقالها المستمر، وهكذا صارت
مركزاً للتعلم الطبي وممارسة التطبيب
في كل ما يحتاج إليه، وساعدت على
انتشار المعارف والتجارب في مداواة
الجرحى وعلاج المرضى، بل وشجعت على
الانتساب لها، والالتحاق المستمر بها.
|