|
وُلد هذا القائد
العظيم ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ
في بلدة (جَبَلَة) على الساحل
السوري، سنة 1882 في أسرة كريمة، تقيّة،
وفي بيت يُتْلَى فيه كتاب الله عزّ
وجلّ، وتقام الصلوات، وتؤدَّى الزكاة.
وحَفِظَ القرآن العظيم في كُتّاب
البلدة، ثم أرسله أبوه إلى القاهرة،
ليدرس العلوم الشرعيّة في الجامع
الأزهر عام 1896 وبقي هناك عشر سنوات،
عاد بعدها إلى بلدته، وقد تشبّع
بتعاليم العالم المجاهد الثائر: جمال
الدين الأفغاني، وأفكاره الثائرة التي
تحضّ المسلمين على التمسّك بروح
الإسلام، وتندّد بالاستبداد السياسي،
والظلم الاجتماعي، والتخلّف العلمي،
كما تستنكر الاستعمار الغربيّ لبلاد
المسلمين.
عكف الشيخ القسام
على تعليم أبناء بلدته أمور دينهم،
وفتح عيونهم على الواقع التعيس الذي
يعيشونه، وبثّ فيهم روح العزّة
والكرامة والجهاد في سبيل الله .
وعندما احتل
الإيطاليون طرابلس الغرب عام 1911 قاد
القسام مظاهرة في (جبلة) وندّد
بإيطاليا، وطالب الناس بالتطوع للجهاد
هناك، فأسرع مئتان وخمسون شاباً
وتطوّعوا للسفر إلى طرابلس الغرب،
وقتال الغزاة الطليان مع إخوانهم
الليبيين، ولكن حزب (الاتحاد والترقي)
الذي كان يحكم تركيا، عرقل سفر هؤلاء
المجاهدين، فرجع القسام مع تلاميذه
المجاهدين، وبنى مدرسة لتعليمهم
وتعليم أولادهم .
وعندما احتلّ
الاستعمار الفرنسي السواحل السوريّة
عام 1918 سارع القسام إلى الجهاد، وباع
بيته، واشترى بثمنه 24 بندقية، وتطوّع
معه عدد من تلاميذه، خرج بهم إلى
مقاتلة الفرنسيين الغزاة، الذين
حاولوا إغراءه بالمنصب والوظيفة
والمال، ليكفّ عن قتالهم، فأبى،
وقاتلهم، فطاردوه ولاحقوه هو
وتلاميذه، وضيّقوا عليه، حتى لم يعد
بمقدوره القتال هناك.
عندها توجّه، مع
بعض تلاميذه المجاهدين إلى فلسطين
التي كان الإنكليز قد احتلوها، ووعدوا
اليهود بإقامة دولة لهم على أرضها
المباركة، واستقرّ في (حيفا) وصار
إماماً في جامع الاستقلال، وصار يعبّئ
النفوس ضدّ الإنكليز المحتلين، وضدّ
اليهود الذين كانوا يتوافدون على
فلسطين بالآلاف، وكانت خطبه ودروسه
تملأ القلوب بالإيمان وحبّ الجهاد
والاستشهاد في سبيل الله .
وتنبه اليهود
والإنكليز لخطورة هذا
الشيخ، فحقّقوا
معه أكثر من مرّة،
ولمّا عرف أن
أمره صار مكشوفاً لهم،
خرج باثنين
وخمسين من رجاله إلى
(جنين)
ومنها إلى أحراش (يعبد)
وخاضوا معركة
كبيرة ضدّ الإنكليز
الذين حشدوا له
أعداداً كبيرة من
العساكر
المزوّدين بالسلاح والعتاد، وحاصروه،
وطلبوا منه الاستسلام، وكان بإمكان
الشيخ القسام الهرب والنجاة بنفسه،
ولكنه أبى أن يهرب، وخاض المعركة،
واستشهد مع عدد من إخوانه في 20 / 11 / 1935
أي في مثل هذه الأيام قبل سبعة وستين
عاماً .
وكان لاستشهاد
الشيخ البطل دويٌّ هائل في فلسطين
خاصة، وبلاد الشام ومصر عامة، ودُفن
جثمانه الطاهر في قرية (الشيخ) قرب (حيفا)
ورثاه وبكى عليه المجاهدون،
والوطنيون، والشعراء، والأدباء،
والسياسيون، والعلماء العاملون .
هكذا كانت حياة
الشيخ القسام جهاداً متواصلاً في
سورية وفلسطين، وبطولة نادرة، ورجولة
عزّ وجود مثيلها، وكان بهذا رائد
المجاهدين في بلاد الشام.
وبقي اسم القسام
حيّاً في نفوس تلاميذه وتلاميذ
تلاميذه إلى يومنا هذا ... ونحن الآن نرى
ونسمع ونقرأ عن بطولات تلاميذ مدرسة
القسام، وندعو الله لهم أن ينصرهم على
الأعداء والعملاء نصراً مؤزراً،
ليحرروا فلسطين المقدسة من دنس الكفرة
والفجّار من اليهود والصهاينة
والمتصهينين، وليس هذا على الله بعزيز.
|