|
-
لماذا أنتِ سهرانة؟ هل أصابك أرقٌ أبعد
النوم عن عينيك، كما أصابني؟.
أجابت البومة:
-
لا يا نسّور.. أنا أبدأ عملي في الليل.
قال النسر:
-
أنا نظري حادٌّ جداً، وأرى فريستي وأنا
في علوّ شاهق في الجو.. هذا في النهار،
أما في الليل..
قاطعته البومة:
-
أما أنا، فأختبئ في النهار، وأظهر في
الليل، وأصطاد فريستي بسهولة، لأنني
أرى في الليل، كما ترى أنت في النهار.
كان (هرهور) يمشي،
فسمع حوار النسر والبومة، فوقف قريباً
منهما يستمع، ثم قال:
هل
تسمحان لي بالسهر معكما؟.
أجاب النسر:
-
أهلاً بك.
وقالت البومة:
-
ولكنك عدوّ.
نظر هرهور إلى نسّور
في رجاء، فقال نسّور:
-
إنه صديق، أَرِقَ مثلي، ويريد أن يسهر..
قالت البومة:
-
قف بعيداً عني.
قال النسر:
-
هل أنتِ خائفة؟.
أجابت البومة:
-
لست خائفة.. ولكني حذرة.. والعاقل دائم
الحذر من أعدائه، حتى لو تظاهروا
بالصداقة.
قال الهر:
-
تعالوا نتفاخر.. ليقل كلٌّ منا ما يفخر
به على الآخرين.
قالت البومة:
-
لا بأس.. وأنا أبدأ.. أنا مخلوقة
متواضعة، صديقة المزروعات، أخلّصها من
الحيوانات التي تضرُّها، فآكل
الفئران، والجرذان، والأرانب،
والجراد، والحشرات التي تضر بالزرع،
ولا أتسبّب بالضرر لأحد.. أعيش في
الخرائب، وفي جذوع الأشجار المحفورة.
قال هرهور:
-
فعلاً أنتِ مفيدة، ومع ذلك، فإن بني
الإنسان يتشاءمون منكِ، ويضربون بكِ
المثل في الشؤم.
قال نسور:
-
هذا انحراف منهم، ولو كانوا عقلاء لما
شبّهوا بعضهم بالبوم، تشاؤماً منه،
فالذي يشبهونه بالبوم هو نفسه الشؤم..
وما أكثر السيّئين في البشر! وما أكثر
الظالمين منهم.
قال هرهور:
-
هذا صحيح. وأنا أرى بعض البشر جديراً
بأن يكون طعاماً لنا نحن الثلاثة،
لنخلّص الناس الطيبين منهم.
قال نسّور:
-
أمّا أنا فلا أحبّ التواضع. أنا أشمخ
بنفسي وملكاتي على سائر الطيور
والحيوانات.. بصري أقوى من أبصارهم،
وجناحاي أقوى من أجنحتهم، أحلّق في
جِوَاء السماء.. تخافني سائر الطيور.
أصطاد فريستي بمنقاري المعقوف هذا،
وبأظفاري القوية هذه. أفلا يليق بي
الشموخ والكبرياء؟.
قالت البومة:
-
أنت ملك الطيور، وسيّد الجوارح يا أبا
مالك.
قال هرهور:
-
وأنا أوافقك على هذا.. ليت لي عينيك
المخيفتين، ومخالبك الشديدة، وجناحيك
القويين يا أبا يحيى، ويا أبا المنهال
يا نسّور.
توقّف هرهور عن
الكلام، ثم استدرك:
-
ولكني أقرب الحيوانات إلى الإنسان..
لازمتُه في سائر العصور، ولا أريد أن
أبتعد عنه، فقد أحبّني الإنسان،
وسمّاني بأسماء كثيرة ودللني.. سمّاني
قطّاً، وسمّاني هراً، وسِنَّوراً،
وبسّاً، وأحاطني بالعناية والرعاية.
ولذلك.. أنا حريص على البقاء بجانبه.
سأل نسّور:
-
لماذا أكرمك الإنسان كلّ هذا الإكرام
يا هرهور؟.
أجاب هرهور:
-
لأني ذكيّ، صبور، وفيٌّ لأصحابي،
وأستطيع أن أميّزهم عن غيرهم.. بلغ من
وفاء أحد أجدادي أنه سار مئات الأميال
حتى وصل إلى صاحبه.. الوفاء يا أصحابي
خلق عظيم يا ليت بني الإنسان يتصفون به.
قالت البومة:
-
أجلْ.. يا ليت البشر يعرفون الوفاء.
وقال النَّسر:
-
لنكن نحن أوفياء، حتى نعلّم سائر
الطيور والحيوانات والبشر معنى الوفاء.
قال هرهور:
-
ودعونا من التفاخر، فقد يسيء ويضرّ ولا
ينفع. اتفقنا؟.
فقالوا جميعاً:
-
اتفقنا.. اتفقنا.
|