|
يعبر
الأصقاع والقفار الخالية دونما حاجة
إلى ماء. ولكن حتى في تلك الرحلات
الخطرة والشاقة تجد من يستطيع أن يهيئ
لنفسه رحلة مريحة وممتعة لا أثر فيها
للمشقة والتعب على الإطلاق.
فقد
صمم أصحاب (شركات نقل المسافرين) في ذلك
الزمان غرفاً صغيرة مريحة توضع على
ظهور الجمال، مبطنة بالحرير الملون
ولها طاقات مدوّرة، ونوافذ تفتح عند
الحاجة يستطيع المسافر مع (عديله) أن
يقضيا فيها رحلة هادئة مريحة.
هذه
الغرف تُسَمَّى (شقاديف) وقد تحدث عنها
ابن جبير في رحلته تلك قائلاً:
(ولا
يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل
لصبرها على الظمأ، وأحسن أنواعها
اليمانية. لأنها كالأشاكين السفرية
مجلّدة متسعة، يوصل منها الاثنان
بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير
ولها أذرع قد حفّت بأركانها يكون عليها
مظلة فيكون الراكب فيها مع عديله في
ركنٍ من لفح الهاجرة، ويقعد مستريحاً
في وطائه ومتكئاً ويتناول مع عديله ما
يحتاج إليه من زاد وسواه، ويطالع متى
شاء المطالعة في مصحف أو كتاب، ومن شاء
ممن يستجيز اللعب بالشطرنج أن يلاعب
عديله تفكهاً وإجماماً لنفس لاعبه).
نستطيع
أن نقول: إن مستأجري (الشقاديف) هم
التجار وذوو اليسار والغنى من الناس،
فهم يستطيعون أن يستأجروا عدداً من
الجمال لبضائعهم وأحمالهم ويختاروا
واحداً منها للسفر عليه يقوده من يقوم
بخدمتهم في هذه الرحلة.
ولكن
هناك من هم أقدر من التجار على البذخ
والإنفاق وأكثر منهم طلباً للراحة
والترف في الأسفار.. إنهم الخلفاء
والأمراء والقادة..
فكيف
نستطيع أن نتخيل رحلة أمير من الأمراء
مع زوجاته وأولاده وجنوده وخدمه في تلك
الصحراء الموحشة؟.
لا بد
أن كل شيء معد وميسّر بمهارة وإتقان كي
يحوّل تلك الرحلة الشاقة إلى نزهة
باذخة مليئة بالمرح والسعادة.
يقول
ابن جبير عن بعض هذه القباب الجميلة
التي تشبه الكابينات الملونة على
البحر والمحمولة على ظهور الجمال:
(ولهم
أيضاً في مراكبهم على الإبل قباب
تظللهم بديعة المنظر، عجيبة الشكل قد
نصبت على محامل من الأعواد يسمونها (القشاوات)..
هي لركابها من الرجال والنساء
كالأمهدة للأطفال، تملأ بالفرش
الوثيرة ويقعد الراكب فيها مستريحاً
كأنه في مهاد لين فسيح وبإزائه معادله
أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى
والقبة مضروبة عليهما فيسار بهما وهما
نائمان لا يشعران.

فعندما
يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها،
يُنصب سرادقهما للحين إن كانا من أهل
الترفه والتنعم يدخل بهما إلى السرادق
(الخيمة الكبيرة) وهما راكبان وينصب
لهما كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل
قبة المحمل إلى قبة المنزل دون لفحة
هواء تلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما.
|