|
قريب
في الكرخ. وحين وصل الفتى القيرواني
إلى باب المستشفى، قام أحد العاملين
هناك باصطحابه إلى غرفة جانبية واسعة
فيها عدد من الأسرّة، وهناك وجد طبيبين
يضعان الضماد لرجل جريح.
ولم
يمض على وجود أحمد القيرواني سوى دقائق
حتى اقترب منه الطبيب وراح يجسّ نبضه
بهدوء، ثم راح يتحسّس جسده هنا وهناك
ويسأله بعض الأسئلة، وكان خلال ذلك
يدوّن ملاحظاته في قرطاس يحمله معه.
لم يقل
أحمد شيئاً، فقد دار الحديث بين
الطبيبين والرجل الذي رافقه إلى تلك
الغرفة، بعدها وجد أحمد نفسه في غرفة
نظيفة، وعلى سرير وثير عليه ملاءات
بيضاء.
وفي
لحظات قدم عامل واستبدل بثيابه
المتهرئة الوسخة ثياباً جديدة بيضاء
بعد أن قاده إلى الحمام بجانب غرفته،
وساعده ليأخذ حماماً بالماء الدافئ
المنعش.
وظل
هكذا أسبوعين كاملين لم يعرف أحمد
خلالهما لماذا لم يعطه الطبيب أيَّ
دواء طَوَالَ هذه الفترة سوى تقديم
وجبات الطعام الفاخرة المنوعة وتغيير
ملابسه وفراشه كل يومين، واصطحابه إلى
قاعة فارهة تطلّ على نهر دجلة
للاستمتاع بالمناظر الخلابة ومشاهدة
الزوارق الكثيرة التي يعج بها النهر
كلَّ مساء. وبعد نهاية الأسبوعين جاء
طبيبان آخران وأعادا فحص أحمد
القيرواني وكتبا في السجلّ شيئاً
جديداً، وغادرا المكان من دون أن
يخبراه بشيء.
بعد
ذلك بساعة جاء من يخبر أحمد بأن يتهيأ
لمغادرة المستشفى، فإنه الآن بصحة
جيدة، وما عليه إلا أن يراجع المستشفى
إذا ما أحسّ بأعراض جديدة. وتسلَّمَ
منه ورقة مختومة بختم المستشفى، تسمح
له بزيارته، وفيها رقم ملفّه، ورموزٌ
غامضة عن حالته الصحية.
وفي
الباب تسلَّمَ من المحاسب رزمةً فيها
ملابسُ جديدة وخمسةُ دنانيرَ ذهبية
تعينه في فترة النَّقَاهة لكي لا
يُضْطَرَّ للعمل خلالها.
وحين
عاد أحمد إلى الخان كان الذهول قد عقد
لسانه، فلم يستطع أن يقول شيئاً، خاصة
حين عرف أن هذا المستشفى ليس سوى واحدٍ
من المستشفيات الصغيرة في بغداد، أما
المستشفيات الكبيرة في الرّصافة فقد
كانت على درجة عالية من الكمال والرقي.
***
هذه
الحكاية حدثت في بغداد في القرن العاشر
الميلادي وهي مجرد صورة تتكرر كل يوم
عشرات المرات كلما ذهب مريض إلى
المستشفى للعلاج.
ولكن
الحكايات التالية حدثت في مكان آخر في
بلاد الروم، وفي زمنٍ مقارب للزمن الذي
حدثت فيه الحكاية الأولى.
كان
هناك أحد الفرسان الشجعان، يعاني من
دملة صغيرة في ساقه، كانت تؤلمه كثيراً
وتقضّ عليه مضجعه فلا يستطيع النوم من
شدّة الألم، وكان من حسن حظّ الفارس أن
طبيباً عربياً يُدعى (ثابت) قد وصل
المدينة لعلاج المرضى فمضى إليه صاحب
الدملة طلباً للعلاج، ولمّا فحصه
الطبيب وضع له مرهماً خاصاً بمثل هذا
النوع من الجروح فانفتحت الدملة وخرج
منها الصديد، ثم وضع له لبيخة فاستراح
الفارس مما كان يعانيه من آلام. وفي هذه
الأثناء جاء طبيب إفرنجي وكان قد ساءه
أن يأتي طبيب عربي من الشرق لعلاج مرضى
الروم، حتى لو كان هذا الطبيب مسيحياً
كما كان (ثابت) فقال لهم:
- لقد
غرّكم هذا المدّعي إنه لا يعرف شيئاً
عن الطب.
ثم
التفت إلى الفارس وقال له:
-
أيُّهما أحبُّ إليك، تعيش برجل واحدة
أو تموت برجلين؟.
قال:
بل أعيش برجل واحدة.
قال:
أحضروا لي فارساً قوياً وفأساً قاطعة.
فحضر
الفارس والفأس وأنا حاضر (الحديث
للطبيب العربي ثابت، فهو الذي نقل لنا
هذه الحكاية) فحطّ ساقه على قرمة خشب
وقال للفارس:
- اضرب
رجله بالفأس ضربة واحدة، اقطعها.
فضربه
وأنا أراه ضربة واحدة فما انقطعت بتلك
الضربة، وضربه ثانية فسال مخ الساق،
ومات الرجل من ساعته.

ويحكي
لنا الطبيب العربي ثابت قصة ثانية عن
امرأة كانت تشكو من بعض الآلام فجاءته
وعالجها أيضاً، ولكن الطبيب الإفرنجي
أخبرها أن علاجه لاينفع، وقال لأهلها:
- إن
هذه المرأة في رأسها شيطان قد عشقها،
احلقوا شعرها.
فحلقوه،
وعادت تأكل من مأكلهم الثوم والخردل
فزاد بها المرض، فقال:
-
الشيطان قد دخل في رأسها.
فأخذ
الموسى وشقَّ رأسها صليباً، وسلخ
وسطه، حتى ظهر عظم الرأس، وحكّه بالملح
فماتت من وقتها.
هل ثمة
مقارنة بين حكاية (أحمد القيرواني)
وبين حكاية الفارس صاحب الدملة
الصغيرة والمرأة التي احتل رأسها
الشيطان؟.
لن نضع
مقارنات بين ما كان في أوروبا القرون
الوسطى، وما
كان في زمن النور في الحضارة العربية
الإسلامية؛ فالطب في أوروبا خلال
القرون المظلمة لم يكن سوى شياطين
تطرد، وأرواح نجسة تُحرق بالنار،
وشرور تحلُّ بالجسد لا يستطيع دفعها
وإبعادها سوى رجال الدين والرهبان.
وغالباً
ما ينتهي علاج الأمراض بالموت ولكن بعد
أن تطهَّر الروح وتصعد إلى خالقها
طاهرة نقية، وقد تخلصت من الأرواح
الشريرة ومن أدران المردة والشياطين.
بينما
في القرن الرابع الهجري، زمن الطبيب
العربي الكبير (أبو بكر الرازي) كانت
المستشفيات تنتشر في كل مكان، فلا توجد
مدينة صغيرة كانت أم كبيرة ليس فيها
مستشفى. حتى القرى الكثيرة المنتشرة في
كل مكان كانت تصلها المستشفيات
السيارة التي تحملها الجمال مع
أطبائها ومعداتها وأدويتها،
حيث تظل تتجول في القرى والأرياف
تعالج الناس وتقدم لهم الدواء مجاناً.
كان
عدد الأطباء في بغداد وحدها ممن أجيز
رسمياً للعمل يربو على ألف طبيب بمختلف
الاختصاصات، فيهم طبيب العيون، وطبيب
الأسنان، والجرَّاح،
والمتخصص بالأمراض العقلية،
وأطباء أمراض النساء، وغير ذلك من
الاختصاصات.
كانت
هناك مختبرات أيضاً، فقبل التشخيص
النهائي عليك أن تذهب إلى المختبر، ولهذا كان على المريض أن يحمل معه
قارورة صغيرة فيها (عينة) من بوله.
والعجيب أن الطبيب لا يأنف من طريقة
تحليل البول مع ما فيها من أذىً
ومخاطرة.
|