|
هذا غير معقول، فنحن أصدقاء. ولا
بدّ من أن نصلح بينهما من اليوم!.
فسأله
حسان:
- وكيف يكون ذلك؟.
رد
عمر:
- أقترح أن تذهب أنت مع رائد إلى
بيتيّ كامل ونمير وتحضراهما إلى هنا
متصالحين، وسأبقى مع غضبان بانتظاركما!.
قال
غضبان بلا مبالاة:
- لا أظنهما يتصالحان، وربما
سيجعلان حسان ورائداً يزعلان منهما!.
لكن
حسان ورائداً ذهبا في الحال إلى
صديقيهما.. وبقي عمر وغضبان ينتظران..
لكن انتظارهما طال وطال حتى يئسا. فقال
غضبان ساخراً:
- ألم أقل لك؟ ربما جعلا حسان
ورائداً يزعلان مثلهما!.
قال
عمر وهو يكتم غضبه:
- أهذا معقول؟ أربعة أصدقاء
يتفرقون هكذا؟ ما الأمر؟ وكيف يحصل
هذا؟ سأذهب بنفسي لأعرف الحقيقة.
ومضى
عمر يسعى في الصلح بين أصحابه. ومضى إلى
بيوتهم واحداً واحداً.
لكن
المفاجأة كانت صاعقة حقاً، فحين ذهب
إلى بيت كامل، وكان أقرب البيوت إليه،
قابله كامل وعيناه تشتعلان غضباً وقال:
- اُغرب عني، أنت لست صديقي، كفاكم
نفاقاً، أنتم تسخرون مني كلما غبت عنكم!.
ثم
أغلق الباب بوجه صديقه عمر!.
ولم
تكن الحال أفضل مع نمير.
أما
غاية المفاجأة فكانت عندما ذهب إلى
حسان ورائد، ولقي منهما الجواب نفسه،
وهو ما لم يكن يتوقعه. فكلُّهم لقوه
بوجوه عابسة، واتهموه بالسخرية منهم!.
حزن
عمر حزناً عميقاً، وعاد إلى بيته
مهموماً، ونام ليلة أرقة. وما إن حلّ
صباح الغد حتى كان أول الداخلين
إلى المدرسة. وهناك التقى مدرس صفهم
وروى له الحكاية العجيبة كلّها. فكر
المدرّس عميقاً ثم قال لعمر:
- دع الأمر لي، وجزاك الله خيراً
على حسن خلقك.
ثم
ابتدأت الدروس. وكان الأصدقاء الأربعة
كلّهم حاضرين. وكانوا لا يكلمون إلا
غضبان، ولكن لم يكلم أحد الآخر، فقد
انتشر الخصام بينهم كالنار في الهشيم..
أما عمر فجلس حزيناً وحده. وبعد انتهاء
الدروس قال المدرّس:
- ليبق عمر ورائد وغضبان وحسان
ونمير وكامل في الصف، وليذهب بقية
الطلاب إلى بيوتهم!.
وبقي
الأصدقاء في الصف، فابتدرهم المدرّس
بالسؤال:
- ما الذي جعلك يا كامل تزعل فجأة
من جميع أصدقائك هكذا؟.
فقال
كامل وهو يغالب غضبه:
- إنهم يسخرون مني من ورائي يا
أستاذ! ويطلقون عليّ لقباً لا يليق بي!
ثم
بكى كامل من الانفعال!.
وفي
الحال قال الأصدقاء الثلاثة بأصوات
متقاطعة:
- لا يا أستاذ، بل هو الذي يسخر مني!.
ردّ
كامل بانفعال:
- لا بل هو وهم الذين يلقبونني
بالبالون السمين!.
- صدقني يا أستاذ هم الذين يصفونني
بالسلحفاة العرجاء!.
وهكذا
راح الأصدقاء يُلقي بعضهم
اللوم على بعض وينفون عن أنفسهم كل
لوم.
وبلطف
المدرس الحنون هدأهم كلهم، فسكتوا.
وقال المدرس:
ولكن قولوا لي بحق: كيف عرفتم هذا
الكلام؟ أسمعتموه مباشرة، أم نُقِلَ
إليكم؟ وممن سمعتموه أوَّل مرة؟.
رفع
غضبان يده ويده الأخرى على بطنه وقال:
- أستاذ بطني تؤلمني فاسمح لي
بمغادرة الصف!.
فسمح
له المدرس.
ثم
رفع الأصدقاء الأربعة أيديهم وقالوا
بصوت واحد وهم ينظرون صوب غضبان:
- إنه غضبان، هو الذي حكى لي
سخريتهم مني!.
وكان
غضبان قد غادر الصف لكن سمع اسمه يتردد
على ألسنة الأصدقاء. وهنا التفت عمر
نحو أصدقائه وقال لهم:
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذ قال:
(شر
الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه
وهؤلاء بوجه!).
قال
المدرس:
- الحمد لله، لقد أخرسه الباطل
وأنطقكم الحق!.
وفي
الغد كان الأصدقاء يمشون معاً كزهرة
ذات خمس أوراق..
وهناك
كان غضبان وحيداً، يلوك مرارة الندم
والخيبة!.
|