|
قبل
أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، وكنت عاصمة
العرب الفلسطينيين ، وقد تعرضت لعدوان
الغزاة خلال عمري المديد ، فقد غزاني
فراعنة مصر ، واحتلوني ، وجعلوا مني
إحدى قواعدهم العسكرية ،
كما غزاني واحتلني الآشوريون ،
والبابليون ، والفرس الذين أطلقوا
عليّ اسم (هازاتو) ثم عاد إليَّ أبنائي
العرب ، وحرروني من كل أولئك الغزاة ،
وأسموني (غزة) التي تعني عندهم (القوي)
فأنا قوية بموقعي الاستراتيجي بين مصر
والشام والحجاز على ساحل البحر الأبيض
الذي كان يوماً بحيرة عربية إسلامية ..
كنت ملتقى القوافل العربية ، وأقام فيّ
العديد من عرب اليمن ، حتى دُعيتُ (حمراء
اليمن) نسبة إلى القبائل العربية
الحميرية اليمنية .
وغزاني
اليونانيون ، وبنوا فيّ جامعة لتخريج
رجال العلم والفلسفة .
وغزاني
الرومان ، وأكرموني ، وجعلوا مني مدينة
عامرة مزدهرة ، وإني لأفخر بالقائد
العربي الصحابي الجليل عمرو بن العاص
الذي حررني من سائر الغزاة الأجانب عام
634م ، وأعادني إلى أحضان العروبة
الدافئ ، وأدخلني ضمن ديار الإسلام ،
ومنذ ذلك التاريخ ، أصبحت غزة هاشم
العربية المسلمة المجاهدة ، وسأبقى
على الزمان ، مدينة الفداء والصمود ،
والثغر المرابط في وجوه الغزاة من
اليهود وسواهم من المحتلين .

بناني
أبنائي الكنعانيون العرب على تل
العجول الذي يرتفع عن سطح البحر خمسة
وأربعين متراً ، وبنوا حولي سوراً
منيعاً يحميني من الغزاة الطامعين بي
وبخيراتي الزراعية ، فالبساتين ،
وبيارات البرتقال والليمون ، وكروم
التين والعنب والنخيل والزيتون والتوت
وسائر الحبوب والخضراوات ، تحيط بي ،
وهي غنية بالفواكه والحبوب ، كالحنطة
والشعير ، والذرة ، وسواها
من الحبوب ، وتسقي بعضها عشرات
الآبار الخاصة والعامة .
وقد
كان أهلي يزرعون ثلاثة ملايين دونم من
أراضيَّ مخصصة للحبوب فقط .
والحقّ
... إن خيراتي كثيرة ، فإلى جانب الخيرات
الزراعية ، هناك السمك اللذيذ الذي
يملأ بحري ، ويتميز أبنائي بصيده ،
وعمل عدة مأكولات لذيذة
منه .

كان
الغزاة يطمعون بمينائي الجميل ،
وبموقعي الاستراتيجي أيضاً ، تجارياً
وعسكرياً .
ومنذ
أن دخلت في الإسلام ، عمر أبنائي
الكثير من المساجد ، فإلى جانب مسجد
السيد هاشم ، هناك المسجد الكبير
المسمى بجامع غزة الكبير ، وهو من
المساجد الأثرية ، يتوسط المدينة
القديمة ، وهو ذو هندسة بديعة ، وبناء
ضخم ، يحتوي على عدة سلاسل من العقود
الحجرية البديعة البناء والمنظر .
وهناك
جامع ابن مروان في حي الدرج ، وجامع
الشمعة في حي النجارين ، وجامع الشيخ
عبد الله الأيكي في حي التفاح ، وجامع
المحكمة البردكية
في حي
الشجاعية ، وغيرها من المساجد الحديثة
التي نهض أبنائي المسلمون المؤمنون
المجاهدون ببنائها في السنوات الأخيرة
.

ولعلكم
تذكرون ، أنني أنجبت الكثير من العلماء
والأئمة العظام ، كالإمام الشافعي
رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، فقد وُلد
ونشأ في أحضاني ، وكان إماماً عظيماً ،
وعندما ارتحل لطلب العلم ونشره في آفاق
العالم الإسلامي ، بقي دائم الحنين
إليَّ ، واسمعوا واقرؤوا هذين البيتين
الجميلين لهذا الإمام الجليل :
وإني لمشتـاق إلـى أرض غـزة  
وإن خاننـي
بعد التفـرّق كتمـاني
سقى الله أرضاً ، لو ظفرتُ بتُرْبها كحلتُ به ، من شدة
الشوق ، أجفاني
وأنا
الآن مدينتان ، كما يدعونني ، غزة
القديمة بأحيائي القديمة التي تشمل
جزءاً من حي الدرج ، وحي الزيتون ،
وغزة الجديدة من ناحية الغرب ، أو
منطقة حي الرمال . ولسوري عدة أبواب :
باب عسقلان القديم ، وباب الخليل ،
وباب المنظار ، وباب الحجر ، وباب
الداردوم، وباب الميناء .
ولعلكم
تعرفون أن الإنكليز الخبثاء الأعداء
عندما احتلوني مع سائر المدن والقرى
الفلسطينية عام 1917 أنشؤوا سكة حديدية
ربطتني بلبنان شمالاً ، وبمدينة
القنطرة المصرية جنوباً . كما أنشؤوا
على أرضي مطاراً عام 1927 أسموه مطار غزة
.
وأما
أبنائي ، فيعمل قسم منهم في الزراعة ،
وقسم في صيد الأسماك ، وقسم في التجارة
، وقسم في الصناعة التقليدية ، مثل
صناعة الخزف،والبسط ، والعباءات
المصنوعة من وبر الجمال ، ومثل صناعة
نسيج الأقمشة الصوفية والحريرية
والكتانية ، وصناعة السجاد والحصر على
الأنوال اليدوية التي أمتلك منها
الآلاف ، كما أمتلك مئات الأنوال
الآلية . ويتقن أبنائي صباغة الأقمشة
بألوانها الزاهية الجميلة .
بقي أن
أقول لكم : كان يتبع لي عدد من البلدات
والقرى الجميلة ، مثل خان يونس ، ودير
البلح ، وبيت حانون ، وبيت لاهيا ، ورفح
، وجباليا ، وبرقة ، والمسمية ، وهوج ،
وعراق المنشية ، وغيرها من القرى
الجميلة التي دمرها اليهود ، مثل : برقة
، وبيت داراس
، وبربرة ، وأسدود ، والجورة ، ودير
سنيد ، وسمسم ، والسوافير الشرقية ،
والسوافير الشمالية ، وكوكبا ،
وهوج ، وعراق
سويدان ، والفالوجة .
لقد
دمر اليهود مئات القرى في فلسطين عندما
احتلوها ، وأقاموا كيانهم الصهيوني
على أرضها ، فما أصاب بعض القرى
التابعة لي ، أصاب مئات القرى الأخرى
في فلسطين التي أضاعها العرب
بخلافاتهم ، وتآمر بعضهم ، وخيانة
آخرين منهم .. لقد تخلى العرب واقعياً
عني وعن أخواتي الأسيرات المحتلات ..
تخلوا عن القدس ، وعن حيفا ويافا وجنين
، وعن عين
كارم وطولكرم ونابلس والخليل .. تخلوا
عن فلسطين ، وتركوها
لقمة سائغة لليهود الذين جاؤوا من
أنحاء الأرض ، وطردوا أهلنا منها ،
وذبحوا ، ودمروا ، والعرب بين عاجز ،
ومتآمر خائن ، وكذلك كان أبناؤنا في
فلسطين ، بين عاجز وخائن ومتآمر ، ولكن
الله لم يدع العرب من أهل فلسطين وغير
فلسطين على ما هم عليه ، فبعث الله
نفراً من العرب ، جعلوا القضية
الفلسطينية قضية العرب والمسلمين ،
واستنفروا العرب والمسلمين كافة
للجهاد في فلسطين ، فهبت طائفة منهم
مجاهدة ، تجاهد بما تملك من شبان
وأموال ، وقدمت آلاف الأرواح الطاهرة
فداء لفلسطين ، وما زال هؤلاء الأحرار
المؤمنون الأطهار يجاهدون في سبيل
الله ، من أجل إنقاذي وإنقاذ أخواتي من
المدن والبلدات والقرى الفلسطينيات ،
وسوف ينتصرون على اليهود وعملائهم من
الفلسطينيين والعرب والعجم ، سوف
يقهرون أعداء فلسطين الذين هم أعداء
الله والإنسانية ، وسوف ينتصرون بإذن
الله على اليهود وعملائهم ومسانديهم
وأعوانهم في بلاد العرب والعجم .. في
أوربا وأمريكا ، وقد بشركم وبشرنا بهذا
النصر رسولنا القائد العظيم محمد صلى
الله عليه وسلم حينما قال :
"لا
تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق
لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ...
قالوا: يا رسول الله ! وأين هم؟ قال:
ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس"
أي في
سائر بلاد الشام التي باركها الله
تعالى .
سوف
ينتصر أبنائي بعون الله تعالى ، برغم
الظلام والظلمات التي تخيم على فلسطين
.. على القدس وغزة ، وعلى الخليل وجنين
ونابلس ، وعلى حيفا ويافا وأمّ الفحم ..
سوف ينتصرون بإذن الله ، ويرغمون أنوف
اليهود وعملائهم وأعوانهم ، وسوف
يطهرون الأرض الفلسطينية العربية
المسلمة من أرجاسهم ، والله غالب على
أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
|